نفايات مصرية تتحوّل إلى منتجات يدوية

اقرأ بهذه اللغة

تقوم شركة ناشئة مصرية في جنوب مصر في مدينة أسوان بتحويل مخلّفات شجر النخيل إلى منتجات يدوية، وهي مبادرة توفّر من خلالها فرص عمل جديدة وتُسهم في إعادة إحياء تقاليد الثقافة النوبية.

ففي عام 2013، كان إسلام ياسين يعمل في مجال تطوير مشاريع زراعية في بلدته ضمن منظمة غير حكومية في أسوان تُدعى "مؤسسة الجسر المصري للإعلام والتنمية" Al Misr Al Gesr for Media and Development . وكان يعمل مباشرة مع مزارعي شجر النخيل وفي مشاريع مرتبطة بها مما جعله يتساءل حول مدى خطورة الوسائل التقليدية المستخدمة للتخلص من مخلفات شجر النخيل وتأثيرها السلبي على البيئة.

وقبل انقضاء عام 2014، أطلق ياسين "نبّاتا" Napata وهي شركة ناشئة تقوم بتصنيع نسيج من عرجون النخيل يُستخدم فيما بعد في تصميم منتجات يدوية صديقة للبيئة مثل حقائب اليد، والبُسط، ووسائد الماوس، وأغلفة الأجهزة اللوحية، وجميعُها تُباع مباشرة على موقع "نبّاتا" الالكتروني وعبر منافذ البيع في القاهرة.

ليست "نبّاتا" الشركة الوحيدة التي تعمل في هذا المجال؛ فشركة "جذور" Jozour في القاهرة، وشركتا "دواير" Dawayer و"جريد" Jereed في صعيد مصر، تصنّع منتجات خشبية متينة من جريد النخل. وتقوم شركة "نخلة" Nakhla في مدينة أسوان بتصنيع أثاث منزلي بأسعار زهيدة ومن المواد نفسها. كما ظهر في عام 2015 "مشروع شجرة النخيل" Palm Tree Project في محاولة لتأسيس شركة مشابهة لـ"نبّاتا".

الاعتزاز والتفاخر بالثقافة النوبية

كشف ياسين لـ"ومضة" أنه أنفق مبلغ 150 ألف جنيه مصري (أي ما يعادل 21 ألف دولار أميركي) من أمواله الخاصة لإطلاق "نبّاتا" مشيدًا بأن المنتجات التي تصمّمها تعكس الثقافة النوبية.

إسلام ياسين (الصور لنيروز طلعت)

في الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط، نجح فريق العمل المؤلف من عشرين موظفة جميعهنّ من النساء النوبيّات بإنتاج 600 سلعة، فيما تراوحت أسعار حقائب اليد مثلًا بين 340 و600 جنيه (أي بين 18 و31 دولارًا أميركيًّا).

ويقول رائد الأعمال ياسين وهو في الثالثة والثلاثين من العمر "إن تقديم حلٍ لهذه القضية البيئية وخلق فرص عمل جديدة للشباب في أسوان كان حلمًا لطالما رغبت بتحقيقه. فقد أصبحت فرص العمل نادرة جدًّا في أسوان عقب ثورة 25 كانون الثاني/يناير وفترة عدم الاستقرار التي تبعتها والتي ضربت بشكل كبير القطاع السياحي."

نفايات أسوان وأزمة الوظائف

تشتهر أسوان التي تقع على بعد 680 كم من القاهرة بالمواقع السياحية فيها، ويعمل معظم سكانها في القطاع السياحي. إنما عقب ثورة عام 2011، خسر معظم السكان وظائفهم بسبب تراجع الحركة السياحية.

عرف القطاع السياحي تراجعًا متسارعًا منذ ذلك الوقت. فانخفضت المداخيل السياحية بنسبة 41% من 10 مليار دولار في عام 2012 إلى 5.9 مليار في عام 2013 بحسب معطيات وزارة السياحة. كما أظهر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء المصري CAPMAS هذا العام أن عدد السواح الذين زاروا مصر في النصف الأول من عام 2016 بلغ 2.3 مليون سائح وقد تراجع هذا العدد بنسبة 51.2% من العدد المسجّل في الفترة نفسها من العام السابق.

تراجع القطاع السياحي ليس المشكلة الوحيدة؛ بحسب أحمد حزيّن وهو خبير في إدارة النفايات ومؤسس شركة "التقنية النظيفة في العالم العربي" Cleantech Arabia، تحتضن أسوان 1.8 مليون شجرة نخيل، و"تخلف هذه الشجرات حوالي 105 آلاف طن من النفايات، وفي حين تقدّم "نبّاتا" حلًّا جزئيًّا للمخاطر البيئية المتأتية من حرق نفايات النخيل في أسوان، إلا أنها لا تعالج المشكلة بأكملها."

في مصر، يخلّف شجر النخيل مجموع يصل إلى 20 كيلوغرامًا من الأوراق الجافة كل عام فضلًا عن النواتج الثانوية مثل نوى، وبذور، وجذوع البلح، وفقًا لشركة إدارة النفايات "بيو أنرجي كونسلت" Bio-Energy Consult. فمعظم هذه المخلفات يجري إما حرقها أم ردمها في مكبّات للنفايات.

"منتج محلّي" بامتياز

يخبر مصطفى فرج وهو مدير التسويق في شركة "نبّاتا" "ومضة" أنهم يتوقّعون مضاعفة الإنتاج في عام 2017 وذلك بفضل ارتفاع عدد فريق العمل إلى 20 موظفًا. ويقول إننا "قمنا بتوظيف النساء بالتعاون مع ’مؤسسة الجسر المصري للإعلام والتنمية‘ التي تدير عددًا من المبادرات الاجتماعية. رغبت 20 امرأة من بين 200 الالتحاق بدورات التدريب في البداية. وبعد أن تمرّسن جيّدًا ورأين المنتجات النهائية، اخترن المتابعة في العمل."

مصطفى فرج يعرض حقائب "نبّاتا" اليدوية
والمصنوعة من نسيج عرجون النخيل والجلد الطبيعي

جيهان سعد البالغة من العمر 42 عامًا هي من أوائل اللواتي التحقن بالدورات التدريبية منذ عامين. هي ربة منزل وأم لولدين وغير متعلمة وتريد جني المال فانضمّت إلى "نبّاتا". وتقول "تعلّمت كيف أصنع الحقائب من النسيج المصنوع من عرجون النخيل بفضل دورات التدريب وكسبت بدلًا ماديًّا مقابل أتعابي. لطالما كنت أرغب بتعلم كيف أصنع المنتجات من عرجون النخيل وحتى قبل عملي في "نبّاتا" وذلك لأنها حرفة تقليدية في نوبيا. أرى أنها فرصة ذهبية لجميع النساء المعيلات في نوبيا."

مشاريع التعاون

حصل ياسين ومنذ انطلاق "نبّاتا" على القبول في الانضمام إلى برنامج "منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية" UNIDO الهادف إلى دعم الشركات العاملة في قطاع إدارة النفايات.

كما يخبرنا فرج أنه في العام الماضي جرى التعاون مع مشروع ريادة الأعمال الثقافية والإبداعية لـ"معهد غوته"  Goethe Institute لجعل تصاميم حقائب اليد تعكس الثقافة النوبية. فقد عملت "نباتا" مع مصمّم ساعدها على ابتداع تصاميم مستوحاة من تاريخ نوبيا وتقاليدها.

 وفي تشرين الثاني/نوفمبر من هذا العام، فازت "نبّاتا" بمسابقة "بيبسيكو للأثر الاجتماعي" PepsiCo Social Impact في الأردن، وحازت على 10 آلاف دولار أميركي على أنها الشركة الناشئة ذات الأثر الاجتماعي الأعظم على صعيد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

صعيد مصر يجتذب أخيرًا الاهتمام والرعاية

بدأت منطقة صعيد مصر تستقطب بعض الاهتمام من قبل الهيئات الداعمة للشركات الناشئة في الدولة بعد أن عانت من التهميش لفترة طويلة. ويقول ياسين: "بدأنا نشهد توجّه أنظار الحكومة نحو صعيد مصر بعد أن كان الاهتمام متمركزًا سابقًا في القاهرة وفي الإسكندرية."

كما أعلنت وزارة التجارة والصناعة في خلال أحد المنتديات الريادية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي عن تدابير اتخذتها بهدف تعزيز البيئات الريادية في الدولة ولا سيّما في منطقة صعيد مصر.

وانطلقت المنافسات على صعيد القطاع الخاص أيضًا. ففي شهر نيسان/أبريل، قدّمت "صعيدي ستارت أب" S3edy Startup في سوهاج دعمًا استثماريًّا في مجال البحوث والتنمية، وتوجه رواد أعمال من منطقة صعيد مصر إلى المدينة للمشاركة بفعالية "سوهاج ستارتب ويكند" Sohag Startup Weekend. وقد رعت هذه الفعالية "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" USAID، وجامعات أسيوط وسوهاج، ومجموعة من مؤسسات القطاع الخاص.

الصورة الرئيسيّة من "نباتا". 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة