تكنولوجيا الطيران تخبّئ كنوزاً لرواد الأعمال في المنطقة

اقرأ بهذه اللغة

إذا أردنا اختصار توقّعات بول باباديميتريو حول تكنولوجيا الطيران، بنصيحة واحدة تحذيرية للشركات الناشئة، فهي أنه في هذا القطاع غالباً ما يذهب الطموح وسرعة التنفيذ في اتجاهين متعاكسين.

صحيح أن الشركات الريادية التي حققت النجاح بين ليلة وضحاها، في مجالات التجارة الإلكترونية والتواصل الاجتماعي ومؤخراً قطاع النقل، لطالما نجحت في دحض وجهة النظر التقليدية هذه عن وتيرة التغيير في مجال الأعمال، إلاّ أن قطاع الطيران لا يبدو أنه لحق بالركب.

أشار تقرير لـ"استراتيجي اند" &Strategy عن اتجاهات قطاع الطيران لعام 2015، إلى أن من بين التحديات التي يواجهها قطاع الطيران، ارتفاع سقف تطلّعات المستهلك، وازدياد الضغوط لخفض التكاليف وتحسين الفعالية التشغيلية.

وأشار التقرير إلى أن أسباب قلق شركات الطيران في الشرق الأوسط هي التوقعات بأن تحظى بحصة كبيرة غير متكافئة من نمو سوق الرحلات البعيدة.

ورغم ذلك سيكون على شركات الطيران الإماراتية التي ستسجّل أعلى نموّ سنوي في الشرق الأوسط نسبته 6.3% في السنوات العشرين المقبلة، أن تتحرك بشكل أسرع.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2015، افتتحت شركة "جنرال إلكتريك" GE في دبي مركزها لتكنولوجيا الطيران في الشرق الأوسط Middle East Aviation Technology center ليكون مركزاً لدعم المتعاملين والمنتجات، وأيضاً للابتكار يجمع خبراء تحليل المعلومات والعلماء، ومصمّمي تجربة المستخدم، ومطوّري التطبيقات. ومنذ ذلك الحين، تسارع الحديث عن تكنولوجيا الطيران مع إعلان دبي عن مشروع قطار "هايبرلوب" Hyperloop، واهتمام "سوق أبوظبي العالمي" Abu Dhabi Global Market بتمويل قطاع الطيران، وتلقي "هوليداي-مي" Holidayme.com ، سبعة ملايين دولار في جولتها الأولى للتمويل، وإطلاق حاضنة أعمال قطاع الطيران "انطلاق" Intelak، ومسابقة "فكرة" Fikra التي أطلقتها شركة "الإتحاد للطيران" Etihad Airways، بالإضافة إلى فعاليات "أن دي سي هاكاثون" NDC Hakathon التابعة لاتحاد النقل الجوي الدولي IATA.  

هذا ما يمكن أن ننتقل فيه من دبي إلى أبو ظبي (الصورة عبر "هايبرلوب وان")

إن البيئة الحاضنة الإقليمية واعدة وزاخرة بتوقعات جيدة لمستقبل قطاع تكنولوجيا الطيران. إلاّ أن القطاع يعيق نفسه بسبب كثافة الأطر التنظيمية فيه، وسلاسل الإمداد المعقّدة، وثقافة الإرث التي ترسّخها الشركات الكبرى والعقود الطويلة الأمد. فمحظورات السلامة والأمان وضوابط استخدام تكنولوجيا الطائرات من دون طيّار في أبوظبي وعمان هي أمثلة على ذلك في المنطقة.

ونتيجة لذلك تتعقّد الحواجز أمام الشركات المستقلة والأصغر حجماً لدخول السوق وتزداد وصعوبة.

حين يكثر الطباخون

في نيسان/أبريل العام 2016، حصلت "ايرغو ديزاين" Airgo Design وهي شركة ناشئة في سنغافورة تصمّم جيلاً جديداً من مقاعد الطائرات، على أول جولة تمويل خارجي لها من "تورن ايت" Turn8، بعد أن كانت قد نالت منحة بقيمة 500 ألف دولار من حكومة سنغافورة، قبل أن تنال جولة تمويل أخرى من شركة الاستثمار المخاطر في الشرق الأوسط "برايم فانتشر بارتنرز" Prime Venture Partners. وبالرغم من كل ذلك، لم تكن رحلتها سهلة.  

والمفهوم الذي تقوم عليه الشركة طوّره رئيس قسم التكنولوجيا فيها حالياً علي رضا يعقوبي، حين كان لا يزال طالب هندسة في العام 2012، وهو يقضي بتصميم مقاعد للطائرات خفيفة وعالية المردود. حصد المفهوم حينها جائزة جايمس دايسون للتصميم James Dyson Design Awards عن فئة المنطقة، وكتب عنه عدد من وسائل إعلام عالمية في العام 2013. وبعد ذلك شارك رسمياً في إطلاق "إيرغو ديزاين" بشكل رسمي.

ينتظر مفهوم "إيرغو" للمقاعد الخفيفة والعالية المردود الحصول على العديد من التراخيص للإنطلاق بالكامل. (الصورة عبر "إيرغو ديزاين")

ومنذ ذلك الحين، وجدت الشركة نفسها في مهبّ رياح التراخيص، والأنظمة والقوانين، وسلسلة الإمداد في قطاعٍ يقرّ يعقوبي بأنه لم يحقق سوى القليل من التقدم. وشرح يعقوبي لـ"ومضة" أن "مقاعد الدرجة السياحية لا تزال الأكثر مبيعاً منذ العام 2002 وهذا أمر لا نراه في أيّ قطاع آخر." وتتنافس "إيرغو ديزاين" اليوم مع ثلاث شركات عالمية عملاقة وهي "ريكارو" Recaro الألمانية، و"بي إي ايروسبيس" BE Aerospace الأميركية، و"زودياك" Zodiac الفرنسية، التي تلبّي طلبات عملائها للأعوام الثلاثة المقبلة. لذلك "لا يمكنها أن تقلل اهتمامها بالابتكار في الدرجة السياحية"، وفق يعقوبي.  

ويضيف المؤسس أن شركات الطيران أخطأت بإعطاء الأولوية لهامش أرباح الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال على حساب تلك التي كان يمكنها الحصول عليها من الدرجة السياحية. "والمشكلة هنا تشبه معضلة الدجاجة والبيضة لأن شركات الطيران تقول إن خياراتها من المصنّعين محدودة. وبذلك لا ترى أي طائل من التغيير لا سيّما أنّ المصنّعين لديهم الكثير من الالتزامات تجاه العملاء".

يقول نيتان شوبرا، نائب رئيس قسم استراتيجية تكنولوجيا المعلومات والتصميم في شركة "طيران الإمارات" Emirates Airlines، لـ"ومضة": إن "الثقافة والعقلية السائدتين هما بشكل عام العقبتان الأكبر أمام قطاع السفر الذي تحكمه ثقافة الإرث وتوزيعه وهذا يحتاج إلى التغيير". ويضيف أن من التحديات الأخرى أيضاً التنظيمات الصارمة، والقدرة جذب أفضل المهارات في التكنولوجيا. كما أن "دورات الأمد الطويل هي جزء من طبيعة الطيران"، بحسب ما تقول كيرستن كوتز كولومبيه، مديرة الاتصالات في مجال الابتكار في "جنرال إلكتريك" GE. غير أنها تضيف بأن تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد تسرّع حاليّاً بعض العمليّات مثل وضع نماذج أولية.

سوف تحتاج "إيرغو ديزاين" إلى عامٍ آخر قبل أن تحصل على ترخيص "التصنيف الفني المعياري" TSO النهائي، وتنجح في سلسلة الاختبارات التي ستخضع لها لدى "إدارة الطيران الفيدرالية" FAA و"وكالة سلامة الطيران الأوروبية" EASA. وتعمل كذلك مع هيئات تنظيمية في وضع بروتوكولات جديدة للمواد التي تستعملها في التصنيع. كما عليها العمل على أن يضاف منتجها إلى كاتالوغات شركات مثل "إيرباص" Airbus و"بوينغ" Boeing إذا ما أرادت أن تؤخذ في الاعتبار لدى تجميع طائرات جديدة.  

الحديث عن الأحجام

تجد شركات الابتكار الصناعي مثل "ايرغو ديزاين" نفسها بين المطرقة والسندان. فهي مضطرة للخضوع للاختبارات المذكورة التي للمفارقة تنفّر المستثمرين. كما أن عدم امتلاكها تجارب سابقة في البيئة الحاضنة لقطاع الطيران وغياب عملاء مباشرين مثل شركات الطيران الكبرى يُضعف من ثقة المستثمرين بإمكانية صمود الشركات الناشئة في عقود طويلة الأمد.

أسست "جنرال إلكتريك" آخر مراكزها للتكنولوجيا في المنطقة الحرة في مطار أبو ظبي. (الصورة من "جي إي ريبورتس" GE Reports، لآدم سيناتون)

ويعتبر هاري كومار مانيفنان وهو المدير العام لمنصّة تكنولوجيا السفر "ترافريز" Travrays في دبي، أن المفاهيم التي تهدف إلى رقمنة سلسلة الإمداد في قطاع السفر يمكنها تحقيق النجاح بسرعة في ظل إدارة سليمة للموارد.  

تهدف "ترافريز" إلى جمع كافة شركات الطيران والفنادق في منصة واحدة تستهدف الشركات وتستفيد منها بشكل خاص شركات الخدمات التقليدية مثل وكالات السفر. ومع ذلك، لا يزال هذا النموذج يواجَه بحالة تململ لدى المستثمرين. فهؤلاء بحسب ما يشرح مانيفنان "يتوقعون الحصول على عائدات سريعة مفترضين بأن حجم التداولات كبير وبالتالي حجم العائدات كبير أيضاً. إنما لا مفرّ من التروّي، ففي دولة الإمارات العربية المتحدة تنقسم حجوزات السفر بين زبائن المواقع الإلكترونية والشركات."

شركة "جويدو وورلد" Guiddoo World، انطلقت في البداية كمرشد سياحي سمعي للسيّاح، ولكنها تحوّلت بعد ذلك إلى سوق تقدّم خدمات سياحية شخصية وتجمع تجارب مسافرين. ودفعها إلى ذلك الحاجة إلى إعطاء أهمية لجني الأرباح والعائدات على حساب تطوير المنتج. فأنشأت نموذجاً يمكن تكراره ودمجه بنماذج أخرى أولاً، وثانياً وضعت إطار عمل نهائي لإتاحة توسّع الشركة.

ويقول فينيت بودكي وهو مؤسس الشركة ورئيسُها التنفيذي في حديث إلى "ومضة" إن "الحصول على التمويل لم يكن سهلًا في دبي لأن المستثمرين (في هذه السوق) يجنون الأموال من قطاعات مبنية على التدفقات النقدية. كما أن كسب الزبائن في هذا القطاع مكلّف جداً، ويصعب على المستثمرين فهم كيف تستطيع الشركات الناشئة في النهاية تحمّل هذه التكاليف ومن دون تكبّد خسائر".

طرق مباشرة للتمويل

يمكن أن يجد روّاد الأعمال فرصة الحصول على مهل زمنية أطول من المستثمرين وعلى صبرهم، لدى لاعبين عمالقة في القطاع، مثل "طيران الإمارات" التي لا تتطلّع إلى الاستحواذ على حصة من شركة ناشئة مقابل الاستثمار إنّما هدفها استخدام منتجات هذه الشركات الناشئة في أعمالها.

وبعيداً عن إحداث ثورة هائلة في القطاع، يقترح شوبرا ثلاث فرص يمكن أن تستفيد منها تكنولوجيا المعلومات والابتكار في قطاع الطيران، وهي أولاً نماذج عمل تعتمد على تأثير الشبكة وعلى وجود منصة مثل "أوبر" Uber و"علي بابا" Alibaba، وثانياً إضفاء طابع الخدمة الشخصية على مستوى خدمة العملاء عبر استخدام الذكاء الاصطناعي وعلم الروبوت، وأخيراً ابتكار محسّنات تشغيلية على شكل روبوتات خلفية.

ما يقصده شوبرا تحديداً هو التخلي نهائيّاً عن نماذج تقسيم الزبائن إلى فئات والفعالية التشغيلية المدعومة من الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار والتي تحظى حالياً أيضاً بدعم تقنيات من المستوى الأول. ويقول: "يستلزم إقلاع رحلة ما في الموعد المحدّد، عمليات متزامنة تبدأ من صعود الطاقم إلى الطائرة وصولاً إلى تنظيفها". ويتساءل "هل نستطيع نشر خوارزميات تعلّم الآلة بشكل مستقل لتحسين فعالية هذه العمليات".

صفقات حقيقية

وبعيداً عن التحديات، تلوح في فضاء الإمارات تطورات فعلية في مجال تكنولوجيا الطيران. فهجمة "سوق أبوظبي العالمي" ADGM على خدمات الخبراء من أجل الاستحواذ على تجهيزات للطائرات واستخدامها وتمويلها،  تُظهر التزاماً جدّياً من قبلها بتطوير هذا القطاع.

وفي هذا الشهر، اختارت "إنطلاق" Intelak التي تأسست بالشراكة بين "طيران الإمارات" و"جنرال إلكتريك"، أربع شركات ناشئة تعالج أوجه معاناة ملحّة في رحلات المسافرين. لتخضع لبرنامج احتضان مدّته أربعة أشهر. كما أقامت "طيران الإمارات" شراكة مع جامعة أوكسفورد Oxford University في المملكة المتحدة، وجامعة كارنيجي ميلون Carnegie Mellon في سان فرانسيسكو، لتشجيع الطلبة على تقديم منتجات في صورتها الأساسية MVPs في مختلف وحدات الشركة. وقامت مؤخراً بالتعاون مع خبراء معلومات في "مايكروسوفت" Microsoft باختبار فعالية محسّن يستخدم تعلّم الآلة، وتعمل حاليّاً إلى جانب "آي بي أم" IBM على اختبار فكرة مبنية على "سلسلة البلوكات" blockchain في مجال لوجستيّات الشحن.  

آية صدّر، مديرة "انطلاق" إلى جانب أعضاء لجنة تحكيم في أول فعالية للحاضنة في العام 2016. (الصورة عبر "إنطلاق")

وفي تموز/يوليو عام 2016، طوّرت شركة "جنرال إلكتريك للطيران" GE Aviation بالتعاون مع "فلاي دبي" FlyDubai تطبيقاً عبر منصة البرامج الخاصة بها "بريدكس" Predix، يسمح لشركة الطيران "بخفض زمن تأخير الطائرات، وتحسين الفهم العملي للطيّار وإدارة الجدولة بالتزامن مع زيادة العائدات" كما جاء في بيان. كما وقعت الشركة اتفاق شراكة آخر مع "الخطوط الملكية المغربية" Royal Air Maroc للاستفادة من "فاست وركس" Fastworks وهو برنامج أطلقته "جنرال إلكتريك" في العام 2014 بهدف اختصار الدورة الزمنية الطويلة اللازمة لتطوير منتج، من خلال فكرة إطلاق منتج أساسي MVP في السوق المناسبة له أولا، ثم العمل على تركيزه وتحسينه في مراحل لاحقة.  

يصف يعقوبي المحادثات بين "إيرغو ديزاين" وشركة "الاتحاد للطيران" Etihad Airways بالمثمرة، معلناً أن الشركة الآن في طور مناقشة فرص محتملة مع الشركات المورّدة المفضّلة لدى "طيران الإمارات" Emirates Airlines.

وسوف يحتاج روّاد الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعض الوقت قبل التفكير بتصنيع طائراتهم الخاصة أو نقل نماذج خدمات التوصيل البري على غرار "أوبر" Uber إلى الجو، ولكن باستطاعتهم على الأقل البدء والانطلاق صعوداً.  

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة