تكنولوجيا مستمدّة من الطبيعة: كيف تساهم الحشرات في تسهيل حياتنا؟

تقنيات جديدة في مجال علم الحشرات تشكل منطلقاً لشركات جديدة. (الصورة من بيكساباي Pixabay).

اقرأ بهذه اللغة

قد ننزعج من طنين الحشرات وتقشعر له أبداننا ولكن قد لا يعلم كثيرون منّا أنه يساعد الحشرات في تحسين عملية التلقيح الضرورية لاستدامة سلسلتنا الغذائية. فعلى مستوى العالم يعتمد 87 نوع محصول غذائي من أصل 115 على الملقحات الحيوانية ما يساهم في 35% من الإنتاج العالمي للغذاء والذي يُمكن تقديره بما يتراوح بين 235 و577 مليار دولار.

كل ذلك يعني أنّه يجب علينا أن نُفكر مرتين قبل أن نقتل نحلة، هذا على الأقلّ ما يعتقده خالد بوشوشا المعروف بـ"صديق النحل".

نحلٌ تونسي محظوظ

أسس بوشوشا في العام 2014  "تقنيات أيريس" IRIS Technologies وهي شركة تعنى بتصميم وتطوير حلول تقنية لتحسين السلسة القيمية لتربية النحل في تونس من خلال جمع البيانات ومراقبة قفران النحل. وباستخدام أدوات "أيريس" يُمكن لمربي النحل أن يتتبعوا وزن القفير ودرجة حرارته ومستوى الرطوبة فيه بشكل فوري. وهذه العملية يُطلق عليها اسم "تربية النحل الدقيقة" precision beekeeping وتهدف إلى تخفيض استهلاك الموارد وزيادة إنتاجية النحل. تركّز الشركة الناشئة أيضاً تسويق العسل وتصميم العلامات التجارية من خلال مركز مراقبة وتدريب.

يوضح بوشوشا في مقابلة مع "ومضة" أنّه "من الضروري إدماج التقنيات والابتكارات في المشاريع الزراعية لاسيما في عالم منفتح كعالمنا… نريد التكنولوجيا لكي نرفع مستوى إنتاجيتنا ولكي نتتبع العمليات عن بعد لضمان جودة عالية".

تركيب ألواح "أيريس" الإلكترونية في قفير بتونس (الصورة من "أيريس")

بدلاً من استقطاب مربي النحل بشكل فردي، تُحاول "أيريس" أن تبيع منتجاتها لمؤسسات معنية بالتنوع البيولوجي والصناعة المحلية كونها وبحسب بوشوشا مهتمة بشراء حزم مُتكاملة على عكس مربي النحل. تتضمن هذه الحزم ألواحاً إلكترونيّة تجمع البيانات من القفران إضافة إلى خدمات بيطرية وتدريب حول جودة العسل.

يتراوح سعر الأدوات المستخدمة لجمع واستخراج البيانات بين 180 و419 دولار حسب الخدمات المُختارة. ومن ضمن العملاء الذين عملت معهم "أيريس" : الحكومة التونسية، "بي برونور" Bee Preneur وهو مشروع محلي، و"توني بي" Tunibee وهي مشروع اجتماعي.

شهدت أعداد النحل خلال العقد الماضي انخفاضاً في دول مُختلفة منها الولايات المتحدة وأخرى في أوروبا. يزيد هذا النقص من أهمية شركات مثل "أيريس". ففي العام 2006 بدأ مربو النحل في أميركا يلاحظون اختفاء عدد كبير من النحل ما تحوّل إلى ظاهرة عامة حملت اسم "اضطراب انهيار مستعمرات النحل" (Colony Collapse Disorder (CDD والتي أدت إلى اختفاء 42% من مستعمرات النحل في الولايات المتحدة خلال عام واحد ابتداء من نيسان/أبريل 2014 إلى الشهر نفسه من العام 2015.

وبالرغم من أن أعداد النحل بدأت مؤخراً بالتزايد  ما يبشّر بقرب نهاية ظاهرة الاختفاء، لا يزال بوشوشا يعتقد أن إدماج التكنولوجيا في تربية النحل مهم جداً لأنّ علينا رفع إنتاج الغذاء العالمي بنسبة 70% بحلول العام 2050 إذا أردنا أن نؤمّن كمية الغذاء اللازمة لإطعام ملياري شخص سينضمون إلى سكان الأرض بحلول ذلك العام.  

"أيريس" تركّز على التسويق للعسل وبناء العلامات التجارية.

الذباب لإدارة النفايات

بينما يصب اهتمام "أيريس" على إيجاد حلول لرفع الإنتاج الغذائي، تهتم "نيكست بروتين" وهي شركة ناشئة تونسية تستند بعملها أيضا على الحشرات، بالعكس: التخلص من بقايا الغذاء.

تتمتّع بعض أنواع الذباب خاصة يرقات ذبابة الجندي الأسود بقدرة على استهلاك النفايات العضوية وتحويلها إلى بروتين. يوجد ثلاث فوائد لهذه الخاصية: أولاً يتم جمع اليرقات الغنية بالبروتين لمعالجتها وتسويقها كأعلاف حيوانية لتغذية المواشي أو الدواجن أو حتى السمك، ثانياً يتم استخراج الزيوت من الذباب لإنتاج وقود حيوي، وثالثاً وأخيراً تُستخدم بقايا النفايات كسماد عضوي.

بإدارة هذه العملية توفر "نيكست بروتين" حلّاً بيئيّاً مُستداماً لإدارة النفايات، كما وتنتج أعلافاً بديلة للأعلاف التقليدية التي تتكون من الأسماك الصناعية أو بذور الصويا والتي تستهلك الكثير من المياه والمساحة والغذاء.

مزرعة ذباب لأول مرة في المنطقة: والسعودية مقرّها

لا يقتصر المستفيدون من عملية تحويل الذباب إلى أعلاف حيوانية، على أصحاب المواشي والشركات الناشئة فحسب بل تمتد الفائدة إلى نطاق أوسع يشمل دولاً عدّة من ضمنها السعودية.

في العام 2017، أُعلن عن خطة لإنشاء أول مزرعة ذباب في المنطقة في السعودية بهدف إنتاج أعلاف مصنوعة من الذباب وبيعها في السوق. تتماشى هذه الخطة مع تطلّع المملكة إلى رفع إنتاجية الدواجن بنسبة 52% بحلول العام 2018 وزيادة أعداد أسماك المزارع لتصل إلى مليون طن في العام الواحد.

ولأن كمية المياه التي تحتاجها هذه العملية قليلة نسبيّاً مقارنة بالكميات المستخدمة لصناعة الأعلاف من الأسماك أو بذور الصويا فإن هذا النوع من المزارع  يلائم المملكة التي تواجه تهديداً بخسارة موارد المياه الطبيعية بعد قرابة عشرين عاماً.

فبحسب إيان جون بانكس مساعد المدير التنفيذي لشركة "أغري بروتين" Agri Protein وهي الجهة المُوكلة تنفيذ المشروع في السعودية، إنّ تكلفة الماء المستخدم لإنتاج طن واحد من العلف المصنوع من بذور الصويا تصل إلى 60 دولاراً، وتنخفض القيمة إلى 15 دولاراً عند إنتاج طنّ من العلف المصنوع من السمك. أما العلف المصنوع من الذباب فيكلّف 10 دولارات فقط لإنتاج الطن الواحد.   

ويشير بانكس في مقابلة مع "ومضة" إلى أننا "نرى أنّ للعلف المصنوع من الحشرات دوراً رئيسيّاً في سوق البروتين البديل ولذلك نتوقع أن ترتفع حصته السوقية بسرعة كبيرة خلال العقد المقبل".

الاستلهام من أصغر الكائنات

على مر التاريخ تبيّن أن تفضيل الأجهزة الصغيرة ذات البرامج السريعة على الأجهزة الكبيرة هو النمط السائد في التطور التكنولوجي. وما زال هذا النمط سارياً إلى يومنا هذا فنجد أننا نفضل "الصغير الذكي" على "الكبير غير المجدي". ولذلك فليس بغريب أن نجد نقطة تلاقي بين الحشرات والتقنيين على غرار العلماء العاملين في جامعة "هارفارد" على سبيل المثال.     

في العام 2016، خصصت جامعة "هارفارد" وحدة لتطوير "الروبوبيز" RoboBees وهي طائرات من دون طيار مصممة لتعمل كالنحل يبلغ حجمها نصف حجم دبوس الورق ، أما وزنها فيبلغ أقل من عُشر الغرام، وهي تطير باستخدام عضلات اصطناعية. لهذه الروبوتات عدة استخدامات منها التلقيح والتتبع البيئي والحراري إضافة إلى المساهمة في مهمات البحث والإنقاذ.

طائرة إيليوس من دون طيّار (الصورة من موقع "فلايابيليتي")

أما التقنيين الذين يسعون إلى الطيران مثل آدرين برويد، الشريك المؤسس لشركة "فلايابيليتي" Flyability فيمكن أن تكون الحشرات مصدر إلهام لهم أيضاً.

خلال مراقبة برويد للذباب في منزله وجد أن لهذه الكائنات قدرة هائلة في جسّ وتجاوز العقبات ومقاومة الصدمات ما يجعل ملاحقتها في المنزل أمراً عسيراً. ألهم تكيّف هذه الحشرات برويد لأن يستعير بعض الخصائص في تصميم طائرة من دون طيار سميت فيما بعد "إيليوس" Elios وهي مُخصصة لاستكشاف الأماكن المغلقة التي يصعب النفاذ إليها. في العام 2015، حصدت "فلايابيليتي" مليون دولار بعد أن حلّت في المركز الأول ضمن الفئة الدولية في "مسابقة الإمارات للطائرات بدون طيار لخدمة الإنسان".

يبقى أن نشير إلى استعمال غير تقليدي للحشرات، تُسوق بعض الشركات الناشئة والمنظمات الاستهلاك البشري للحشرات نظراً إلى احتوائها على نسبة مرتفعة من البروتين والمعادن. ورغم أنّ هذا التوجه ليس شائعاً بعد، قد تصبح هذه الكائنات جزءاً لا يتجزأ من طعامنا في المستقبل.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة