منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحتضن التطورات في التكنولوجيا الصحية

بدأت بالفعل مختلف بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تنفيذ تطبيقات متقدمة في مجال الروبوتات والتكنولوجيا الصحية.(الصورة عبر بيكساباي Pixabay).

اقرأ بهذه اللغة

ستشهد معدلات الإنفاق العالمية على الرعاية الصحية نمواً من 7.7 تريليون دولار في العام 2013 إلى 9.6 تريليون دولار في العام 2018. وبات التحوّل الرقمي يؤثر على قطاع الرعاية الصحية تأثيراً يتجاوز منتجاتها من خلال الاستفادة من البعد المعلوماتي، الأمر الذي يلفت الانتباه إلى النمو العالمي الذي يشهده سوق التكنولوجيا الصحية، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 21 في المئة خلال الفترة 2013-2020 من 61 مليار دولار إلى 233 مليار دولار.

لا تشهد البلدان المتقدمة وحدها هذا النمو، حيث تجري مختلف الأنشطة أيضاً في مناطق أقلّ حظوة، ولا سيما في إفريقيا وآسيا.

وفي هذا السياق، أعلنت منظمة "باث PATH" عن إطلاق مبادرة "ديجيتال سكوير Digital Square". وتجدر الإشارة إلى أن هذه المنظمة الدولية غير الربحية تقود مجال الابتكار الصحي العالمي من خلال حشد دعم الشركاء من جميع أنحاء العالم. تعمل هذه المبادرة الجديدة - التي تضمّ أكثر من 40 منظمة شريكة - على تشجيع الاستثمار الأكثر كفاءة في حلول التكنولوجيا الصحية الرقمية في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وذلك من خلال اعتماد نموذج مبتكر للاستثمار المشترك. وفي هذا الإطار، صرّح السيّد دايكي سيتل، مدير الشؤون الصحية الرقمية في منظمة "باث": "يُعدّ الاستثمار المشترك فكرة بسيطة لكن فعّالة جدّاً. فالموارد المستثمرة في التنمية شحيحة، ومن خلال تنسيقها يمكن بالتالي تعظيم تأثير استثماراتنا المالية".

كما توفّر هذه المبادرة منصةً تتيح أمام الأفراد والمؤسسات فرصة تنسيق استخدام مصادر التمويل وخبراتها التقنية بكل ثقة من أجل تشكيل حزمة من التكنولوجيات الصحية الرقمية المجرّبة والقابلة للتعديل. ويمكن توسيع نطاق هذه الحلول لتغطي بلداً بأكمله بل وتصبح أيضاً عابرة للبلدان. كما تساعد مبادرة "ديجيتال سكوير" في دعم البلدان من أجل تطوير المهارات التي تحتاج إليها على المستويات كافة - من المسؤولين الحكوميين الوطنيين وحتى العاملين في مجال الرعاية الصحية المحلية - وذلك سعياً لتوسيع نطاق هذه التكنولوجيات. وهذه المبادرة هي إحدى برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID وتمّ تصميمها وتمويلها بالشراكة مع مؤسسة "بيل ومليندا جيتس".

لأفراد في المنطقة العربية مستعدون إلى تبنى تكنولوجيات متقدمة. (الصورة عبر Pixabay)

سوق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أمسى جاهزاً الآن

بحسب التقرير الصادر عن شركة "برايس ووترهاوس كوبرز PwC" بعنوان "المستهلكون في الشرق الأوسط مستعدون لقبول حلول الذكاء الاصطناعي والإنسان الآلي لتلبية احتياجاتهم المتعلقة بالرعاية الصحية"، فإن غالبية المستهلكين على استعداد لتلقي الرعاية المقدّمة من هذه التكنولوجيات المتقدّمة، التي من شأنها تغيير إمكانيات وصول الأفراد للرعاية الصحية واستفادتهم منها.

ووفقاً لتقرير آخر صادر عن الشركة نفسها بعنوان "أي دكتور؟ لماذا سترسم الروبوتات والذكاء الاصطناعي ملامح الرعاية الصحية الحديثة What doctor? Why Artificial Intelligence and robotics will define new health"، والذي تمّ إعداده استناداً إلى دراسة مسحية شملت أكثر من 11,000 شخصاً من 12 بلداً من مختلف أنحاء أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا. أشار التقرير إلى أن أكثر من نصف المشاركين في هذه الدارسة (55 بالمائة منهم) على استعداد لاستخدام تكنولوجيا الحاسوب المتقدّمة أو روبوتات الذكاء الاصطناعي، التي يمكنها الإجابة على الأسئلة الصحية المطروحة وإجراء الاختبارات والتشخيصات الطبية وتقديم التوصيات بشأن العلاج اللازم. وهذا يساهم في تعزيز ثقة الناس في التكنولوجيا مما يساعد على انتشارها على نطاق أوسع، ولا ينبغي أن نغفل "اللمسة الإنسانية" التي لا تزال تشكّل عنصراً أساسياً في تجربة الرعاية الصحية.

وفي السياق نفسه، صرّح الدكتور تيم ويلسون، مسؤول الصناعات الصحية في منطقة الشرق الأوسط في "برايس ووترهاوس كوبرز"، قائلاً: "سواءٌ أعجبنا ذلك أم لا، يشكّل الذكاء الاصطناعي والروبوتات مستقبل قطاع الرعاية الصحية، وباتت منطقة الشرق الأوسط على استعداد لاغتنام هذه الفرصة [...] ومن خلال الربط بين النقص الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط في القوى العاملة بالرعاية السريرية وعوامل أكثر إيجابية مثل الشرائح الشبابية من السكان الملمين بجوانب التكنولوجيا الرقمية والمستعدين لتبني الذكاء الاصطناعي والروبوتات، ترى "برايس ووترهاوس كوبرز" أن منطقة الشرق الأوسط ستكون سباقة في هذه التكنولوجيات. نود أن نرى منطقة الشرق الأوسط تقوم بالاستثمارات وتصبح مركزاً عالمياً للامتياز في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات في قطاع الرعاية الصحية، الأمر الذي من شأنه أن يعود بالفائدة على المجتمع المحلي ويجعل البلدان الأخرى تتطلع إلى المنطقة التماساً لما تتوصّل إليه من ابتكارات في مجال الرعاية الصحية."

وعلى صعيد آخر، فرضت أسعار النفط المتقلبة ضغوطاً على البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط، ما أدّى إلى مضاعفة التركيز على التنويع الاقتصادي. وتنطوي الخطط طويلة الأجل للكثير من دول مجلس التعاون الخليجي على تعزيز أوجه التنويع الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وإنماء قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، واستحداث وظائف جديدة في القطاع الخاص، وزيادة إجمالي الناتج المحلي والصادرات. وكذلك، يوفّر الدمج بين التكنولوجيات الجديدة بديلاً عن سبل التطوير التقليدية، ويتيح للبلدان إمكانية الدخول في قطاعات صناعية جديدة، ولا سيما قطاع الروبوتات، بسهولةٍ نسبية.

عملية التنفيذ على المسار الصحيح

بدأت مختلف البلدان بالفعل في تنفيذ تطبيقات متقدمة في مجال الروبوتات والتكنولوجيا الصحية. بداية بالمملكة العربية السعودية التي أعلنت خلال شهر أكتوبر الماضي عن بناء مدينة "نيوم" التي ستُدار بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتي من المرجح أن تضمّ من الروبوتات ما سيفوق البشر الذين سيعيشون هناك. كما أصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة قرار تعيين عمر بن سلطان العلماء بصفته أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي، في محاولةٍ منها لتأكيد عزم البلد على أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي على جميع المستويات. وفي وقتٍ سابق خلال العام 2017، دشنت هيئة الصحة بدبي صيدلية ذكية تشهد الروبوت الأول من نوعه في الشرق الأوسط لصرف الدواء من دون تدخل بشري في مستشفى راشد. وقد بدأ هذا الروبوت بالفعل في خدمة العملاء، ويتمتّع بالقدرة على تخزين أكثر من 35,000 دواء وصرف 12 وصفة طبية في أقل من دقيقة واحدة. ويصرف الروبوت الأدوية الموصوفة بضغطة زر من خلال رمز شريطي "باركود" خاص لكلّ صنف دواء، ما يحد من احتمالات وقوع الأخطاء بشرية.

وسام الحريري. (الصورة عبر وسام الحريري)

روبوت جديد في مستشفى لبناني

لا يزال النظام الذاتي الذكي للمساعدة في المستشفيات ("ساشا SASHA") في مراحله التجريبية، وهو عبارة عن روبوت جديد لتقديم الخدمات في المستشفى من ابتكار مهندس لبناني متخصص في مجال الميكاترونيكس. وأوضح وسيم الحريري في مقابلة له مع "ومضة" أن جميع الروبوتات التي سبق طرحها في مجال الرعاية الطبية لا تُعنى سوى بالشقّ الخاص بتقديم الخدمات اللوجستية. فيكون على المشغِّل البشري تحميل البضائع يدوياً في البداية ثمّ تفريغها أيضاً يدوياً عند وصولها إلى وجهتها المستهدفة. أما تصميم نظام "ساشا" الجديد فيتيح إمكانية التقاط وجبات الطعام ووضعها في مكانها المخصص بشكلٍ تلقائيّ، الأمر الذي من شأنه ضمان أتمتة عملية توزيع الوجبات في المستشفيات بصورةٍ كاملة من المطبخ وحتى غرف المرضى. وأضاف الحريري: "ليس على المشغّل البشري سوى الضغط على زر "توزيع" على تطبيق الجهاز المحمول ليتولى الروبوت مهمة القيام بمختلف مراحل هذه العملية. ومن خلال هذه المفاضلة، تمكنت من الحدّ من الأخطاء البشرية التي قد تطرأ أثناء عملية توزيع وجبات الطعام يدوياً. وللقيام بذلك، يقوم الروبوت بمسح الرمز الشريطي "الباركود" الخاص بغرفة المريض لإرسال وجبة الطعام المُعدّة خصيصاً لكل مريض."

كما يرى الحريري أن عملية توزيع وجبات الطعام في المستشفيات لا ينبغي أن تكون مثل الخدمات التي تقدّمها الفنادق؛ فهي عملية أكثر تعقيداً وتتطلب تواصلاً فعّالاً بين مختلف الإدارات. وفي الوقت نفسه، إنها إجراء قابل للتكرار ويمكن أن تتمّ أتمتته. وبينما يتولى الروبوت الاهتمام بتقديم وجبات الطعام إلى مختلف المرضى، سيحظى الممرضون وفريق الخدمات بمزيد من الوقت لتقديم الرعاية لهؤلاء المرضى. واستطرد حريري: "من خلال الاستعانة بالروبوت، سنساهم في الحدّ من الوقت الضائع والتكاليف، وبالتالي تعزيز الكفاءة والحدّ من الأخطاء البشرية الممكنة في عملية توزيع وجبات الطعام. وكذلك، يُعتبر الروبوت أكثر أماناً وضماناً لخصوصية المريض."

ووفقاً لكلام الحريري، للروبوتات وجود مادي بعكس البرمجيات، مما يمكّنها من تنفيذ بعض المهام المحددة التي من شأنها مساعدة البشر في حياتهم اليومية والمهنية. يحمل الحريري درجة الماجستير في الأتمتة وعلم الروبوتات من جامعة "بوليتكنيك" Polytechnic في تورينو، إيطاليا، وعمل مهندساً للروبوتات على مدى العامين الماضيين في شركة روبوتات في برلين في ألمانيا، متخصّصة في تطوير الروبوتات المتنقلة لإدارة المستودعات. وفي الوقت الراهن، يشغل الحريري منصب مدير المشاريع الدولية في الشركة نفسها، وقد عمل على تطوير وإدارة حوالي ثمانية روبوتات متنقلة دخلت الآن الخدمة في ألمانيا وإيطاليا وتايوان.

"ساشا" تخدم عدة قطاعات منها الرعاية الصحية.
 (الصورة عبر وسام الحريري)

تجدر الإشارة إلى أنه من الممكن إدخال تغييرات على نظام "ساشا" بحيث يخدم القطاعات الأخرى إلى جانب قطاع الرعاية الصحية. وفي هذا السياق، أوضح الحريري: "عند طرح أيّ روبوت متنقل، ينبغي تسليط الضوء على عوامل الوقت والتكلفة والكفاءة؛ وهذا هو الهدف العالمي يكمن للشركات التي تنوي تحقيقه. فبمجرد أن يثبت الروبوت المتنقل كفاءته وفعاليته في بيئة ديناميكية، مثل المستشفى، يمكن بالتالي استخدامه في أيّ مكانٍ آخر، بما في ذلك المستودعات والمصانع وحتى الفضاء."

التطوير والمبيعات

بلغت تكلفة النموذج الأولي للروبوت المخصص للمستشفيات حوالي 60,000 دولار، تشمل تكاليف البحوث والتطوير. وقد تمّ تمويله من شركة "إن سيستمز أوتوميشن InSystems Automation" الألمانية.

يخطط الحريري لبيع الروبوت الواحد بـ 36,000 دولار، ما يجعله الأرخص قيمةً مقارنة بأيّ نموذج آخر مماثل معروض في السوق. وعقّب حريري على ذلك قائلاً: "تتمثّل خطتي في البدء بطرح هذا الروبوت في السوق بحلول بداية العام 2018. وسيتمّ إنتاجه بشكلٍ أساسي في ألمانيا، إلا أننا نأمل في إيجاد شركات متخصصة في تجميعه في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك لبنان. ومن أجل التمكّن من القيام بذلك، فإنني بحاجة إلى تمويل للمضيّ قُدماً". ويستهدف الحريري بشكلٍ أساسي المستشفيات الخاصة والعامة، ويقوم حالياً بالتفاوض مع مستشفييْن آخرين في منطقة الخليج العربي. إن عملية طرح الروبوتات المتنقلة واستخدامها في مستشفيات منطقة الشرق الأوسط لا تزال في بداية عهدها، ما يمثّل تحدياً كبيراً. ووفقاً للحريري، بعد الانتشار المتزايد للتكنولوجيا، بدأ الناس في قبول هذا الاتجاه الجديد من خلال فهم تأثيره الواسع عليهم وعلى حياتهم.

في الوقت الذي يقاوم فيه الكثيرون إدماج الروبوتات بالكامل ويربطونها بإمكانية فقدان وظائفهم، يرى الحريري أنه مع طرح هذه التكنولوجيا ستتمكن المهارات البشرية من تكريس وقتها وجهدها لتولّي مهام أكثر قيمةً من تلك التي تؤديها الآن.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة