التخصيص... أداة بارزة تغزو عالم اليوم المثالي

قد تُسهم سمّاعات الأذن عالية الجودة في تعزيز الأداء وتحسينه، لا سيما بالنسبة للرياضيين. (الصور عبر "جينيريكس GENERICS")

اقرأ بهذه اللغة

إذا لم يتمّ تصميم المنتج بشكلٍ مخصص وفريد ليتناسب مع احتياجات الشخص ومتطلباته المحددة، فقد لا يكون مثالياً بالنسبة له، ممّا يجعل الحكم على إتقان الشيء أمراً نسبياً؛ أو على الأقل هذا هو رأي باسل إدريس، الشريك المؤسس لشركة "جينيريكس GENERICS" التي تصنّع في سماعات أذن مخصصة.

اندهش إدريس، الذي كان يشغل سابقاً منصب مدير تسويق لدى شركة "بروكتر آند جامبل Procter & Gamble"، بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد التي اطلع عليها لأوّل مرّة من خلال صديق له أثناء رحلة قام بها إلى مقر شركته الرئيسي في مدينة سينسيناتي في ولاية أوهايو. وفي مقابلة له مع ومضة، قال: "حينها قلت لنفسي، إن جاء يوم وغادرت فيه عالم الأعمال والشركات، فسأتوجه إلى هذه الصناعة".

وهذا ما فعله حقيقةً

باسل إدريس يبتسم للكاميرا مرتدياً سمّاعات "جينيريكس".

تعدّ "جينيريكس" سمّاعات أذن مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد حسب الطلب. وهي تهدف إلى حلّ المشاكل التي تنطوي عليها سمّاعات الأذن غير المريحة التي تتسبّب بآلام بعد استخدامها لفترات طويلة.

"تُعد بصمة الأذن مشابهةً لبصمة الأصابع، وبالتالي فقد لا تفي الحلول المعيارية بمتطلبات الجميع على حدّ سواء، إذ تتناسب تلك الحلول مع 53% من المستخدمين، في حين يشتكي 47% منها."

ولطلب السماعات، يتعيّن على المستخدمين تحميل التطبيق (الذي سيُتاح على نظامي التشغيل "أندرويد Android" و"آي أو إس iOS" بحلول منتصف شهر ديسمبر) وتحديد الأحرف الأولى التي يرغبون في حفرها على الجزء الخارجي من السمّاعات واختيار لونها ولون أسلاكها أيضاً. وبمجرّد إتمام ذلك، سيتعّين على المستخدمين طلب المساعدة من أحد الأصدقاء لتصوير أذنيهم عبر التطبيق باستخدام بطاقة ما لتحديد المقاسات الضرورية. وأضاف إدريس قائلاً: "للتمكّن من تحديد مقاسات الأذن، لا بدّ من مقارنتها بأحد الأحجام المعيارية، كبطاقة هوية أو بطاقة ائتمان أو رخصة قيادة أو غير ذلك".

وتعدّ الكاميرا المدمجة في التطبيق ذكيةً، إذ ستُخطر المستخدم إن لم تظهر الأذن أو البطاقة في إطار الصورة أو ما إذا كانت عدستها قريبةً أو بعيدةً جداً. كما يقدم التطبيق للمستخدمين أيضاً توجيهات حول اتجاه حركتهم والمنطقة التي يلتقطونها في الصور. وبمجرد إرسال الفيديو، سيقوم فريق "جينيريكس"، المكوّن من 6 مهندسين يعملون بدوامٍ كامل، بطباعة السمّاعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في غضون خمسة أيام عمل وشحنها إلى مختلف أنحاء العالم. ووفقاً لإدريس، يمكن طلب سمّاعات الأذن "جينيريكس" الآن وبشكلٍ مسبق عبر موقع "كيك ستارتر Kickstarter"، وعند الحصول عليها، ستعمل مع الجيل الثاني من الهواتف الذكية (الصادرة في العام 2015) وتلك التي تليها، وإلا لن تكون هناك استفادة من خصائص الفيديو الذكي.

كيف يتم تصنيع سمّاعات الأذن

بمجرد إرسال الفيديو، يستخدم الفريق برنامج "راينوسيروس Rhinoceros" للتصميم ثلاثي الأبعاد، وبرنامج "جراسهوبر Grasshopper" للمقاييس المعيارية الذي يساعد الفريق في تحديد نقاط قياس محددة وأتمتة العملية وإنتاج قالب جاهز للطباعة. بعد ذلك، تتمّ طباعة القالب بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد باستخدام سائل الـ"راتنج" Resin الذي يتصلّب بمجرد تعرضه للضوء. وبعد الانتهاء من طباعة القالب ثلاثي الأبعاد، يقوم الفريق بحقنه بمادة السيليكون المتوافقة حيوياً من أجل تصنيع جهاز السمّاعة.

وبمجرد أن تتصلّب المواد، يتمّ إزالتها من على القالب، ويأخذ الفريق مادة السيليكون التي اتخذت شكل أذن ويقوم بتنظيفها ومعالجتها وإضافتها إلى السلك والتقنيات الصوتية.

وقد اشترى إدريس تقنية مكبرات الصوت من الشركة الدانماركية "سونيون Sonion"، وتتولى الشركة الصينية "ليياند أكوستيك تكنولوجي Lyand Acoustic Technology" مهمة تصنيع سمّاعات الأذن شبه الجاهزة. ويتولّى فريقه مهمة تجميع أجهزة السمّاعات والسمّاعات شبه الجاهزة في مصنعهم الصغير القائم في "المركز اللبناني البريطاني للتبادل التقني UK Lebanon Tech Hub"، حيث تجري أيضاً الطباعة ثلاثية الأبعاد.

صناعة الأجهزة... صناعة تتطلّب رؤوس أموال ضخمة

تمثل الشركات الناشئة المتخصصة في تصنيع الأجهزة تحدياً وتواجه الكثير من العقبات. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك شركة "جوبون Jawbone"، إذ تعاني الشركة المتخصصة في صناعة السوار الرياضي الذكي الآن من الانهيار، بعد أن كانت قيمتها قد وصلت إلى 3 مليارات دولار أميركي. فبعد جمع الأموال من عدد من شركات رأس المال المخاطر الشهيرة، مثل "آندرسن هورويتز Andreessen Horowitz" و"سيكويا كابيتال Sequoia Capital"، بدأت الشركة بالبحث عن مشترٍ، إلّا أنها فشلت في ذلك، الأمر الذي أجبرها على اللجوء إلى التصفية في شهر يونيو من عام 2017. فماذا كان السبب وراء فشلها؟ تتمثّل أحد الأسباب في مواجهة الشركة لصعوبات في المنافسة مع منتجات أرخص، كتلك الخاصة بشركة "أبل Apple" وشركة "فيتبيت Fitbit" وغيرها من المنتجات الصينية.

يتمّ تصنيع سمّاعات الأذن باللون الأخضر والأصفر والأسود من بين ألوان أخرى.

لم يخجل إدريس من الحديث عن تكلفة التصنيع، لا سيما أن الطباعة ثلاثية الأبعاد لا تزال مكلفةً نسبياً. وفي هذا الصدد، أوضح قائلاً: "تبلغ تكلفة البلاستيك المستخدم عادةً في الإنتاج الضخم حوالي 2 إلى 3 دولارات للكيلو جرام الواحد. أمّا بالنسبة للمواد المماثلة المستخدمة في الطباعة ثلاثية الأبعاد، فتبلغ تكلفتها حوالي 200 دولار للكيلو جرام الواحد". وأضاف قائلاً: "إذا قررت مضاعفة المساحة التي ترغب بطباعتها بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، فسترتفع التكلفة المتكبدة بمقدار ستة أضعاف. وإذا ما قررت زيادة هذه المساحة ثلاث مرّات، فسترتفع التكلفة المتكبدة بمقدار 20 ضعفاً".

وبالنظر لهذا العامل، المقرون بحقيقة أنه كلّما كانت الطابعات ثلاثية الأبعاد أكبر، كانت التكاليف باهظةً أكثر، اختار إدريس تصنيع سماعات الأذن. وأوضح ذلك قائلاً: "إن صغر الحجم يعني استخدام طابعات أصغر ومواد أقلّ. ففي مجال التصنيع الرقمي، نحتاج إلى مصنع تبلغ مساحته 100 متر مربع ورأس مال يبلغ 100 ألف لإنشاء المصنع والانطلاق في عملنا. وبالنظر إلى المستقبل، سنقوم بإنشاء مصانع مصغرة في أماكن تمركز الطلب، وذلك من أجل خفض تكاليف سلسلة التوريد وخدمة عملائنا على نحو أفضل".

ووفقاً لإدريس، يباع حوالي 350 مليون سمّاعة أذن سنوياً في جميع أنحاء العالم، هذا بغض النظر عن 1.3 مليار قطعة أخرى يتمّ منحها مجاناً مع الهواتف الذكية. وتعليقاً على ذلك، قال: "يُتاح في السوق حوالي 1.65 مليون سمّاعة أذن سنوياً. ونظرياً، يصل حجم السوق إلى 800 مليون مستخدم ويبلغ متوسط سعر السمّاعات 43 دولار أميركي". وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنه سيتمّ بيع سماعة "جينيريكس" مقابل 125 دولار أميركي، أيّ ما يساوي ثلاثة أضعاف تلك القيمة، وذلك نظراً لتخصيصها وطباعتها بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد.  

وزّع إدريس السمّاعة على 90 مختبر في لبنان وقام بتصنيع 9 نماذج منها على مدار 15 شهراً قبل إطلاق المنتج النهائي عبر منصة التمويل الجماعي "كيك ستارتر". وبمجرد الانتهاء من الحملة، سيبدأ بشحن المنتجات عبر شركة "دي إتش إل DHL".

تخصيص الوقت والعافية  

لا تعدّ سمّاعات الأذن المخصصة ابتكاراً جديداً. ففي الواقع، يحصل الكثير من المتخصصين والموسيقيين على سماعات مخصصة نظراً لاستخدامهم لها بشكل مكثف. وبالنسبة لإدريس، تعدّ "جينيريكس" فريدةً من نوعها بالنظر إلى أن عملية التخصيص تتم عبر تطبيق. فعادةً ما كان الأفراد يتوجهون إلى خبير متخصص في علم السمعيات من أجل عمل قالب للأذن، وطباعتها بعد ذلك بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. علاوةً على ذلك، أشار إدريس قائلاً: "يتولّى الخبراء المتخصصون في السمعيات مهمة إنتاج زوج جميل من السماعات، إلّا أنه يتعيّن عليك الانتظار لمدّة أسبوعين ودفع مبلغ يتراوح بين 500 إلى 5 آلاف دولار للحصول عليه".

أمّا بالنسبة للبقية منّا الذين يرغبون باستخدام السمّاعات في مكالماتهم الهاتفية أو أثناء ممارستهم الرياضة أو الاستماع للموسيقى في العمل، تمثل "جينيريكس" بديلاً أرخص من ذلك. وتتميز سماعات "جينيريكس" بإمكانية التخلص من الضوضاء نظراً لملاءمتها للأذن بشكل تام. وتعليقاً على ذلك، قال إدريس: "نحن لا ندعي أن تكون جودة سمّاعاتنا كتلك التي يتمّ تصميمها بشكل مخصص لتتخللها طبعة قالب الأذن التي تصل مباشرةً إلى القناة السمعية. فنحن نوفر 75% من الأداء مقابل 25% من السعر".

سمّاعات "جينيريكس" للأذن محفور عليها أحرف أولى.

وربما كانت شركة "نورمال Normal"، التي انطلقت في عام 2014، ستنافس شركة "جينيريكس"، لأنها تتيح للمستخدمين أيضاً طلب السماعات عبر التطبيق، إلا أنها خرجت من السوق في أوائل عام 2017.  وفي تعليقه على ذلك، قال إدريس: "نحن نعتقد أن السبب وراء فشلها يتمثّل في ضعف صوت السمّاعة والشعور الذي ينتج عنها، هذا بالإضافة إلى كون معظم أجزائها المخصصة مصنوعةً من البلاستيك الصلب، الأمر الذي يجعل من الصعب جداً تصحيح أيّ أخطاء قد تطرأ على قياس الأذن، علاوةً على ضعف قيمتها مقابل سعرها البالغ 199 دولار أميركي".

وتهدف حملة التمويل الجماعي التي أطلقتها "جينيريكس" لرفع مستوى الوعي حول المنتج، إلّا أن ردود الفعل التي تلقتها كانت غير متوقعة. فقد كشف إدريس عن أن معظم الأفراد يفضلون السمّاعات اللاسلكية. وقال: "إنها جهاز آخر يحتاج للشحن ويستهلك الكثير من الطاقة. وإذا أردت استخدام بطارية أكبر، فستكون السماعة أكبر حجماً". ومع ذلك، يبحث فريقه حالياً عن أفضل التقنيات التي من شأنها أن تسمح لهم بربط السمّاعات لاسلكياً، في الوقت الذي يتمّ فيه الحفاظ على جودة الصوت ووزن الجهاز الخفيف. وفي هذا السياق، قال إدريس: "سنقدّم نسختين من السمّاعات؛ سلكية ولاسلكية، وندع السوق يحكم بنفسه أيهما أفضل".

ومن التحديات الأخرى التي واجهت الشريك المؤسس، الإنتاج الضخم. فعلى الرغم من تمكّنه من جمع حوالي 1.5 مليون دولار أميركي من 15 من المستثمرين الأفراد، ومن بينهم ريمون أبو عضل من شركة "هولدال Holdal" المتخصصة في التصنيع والخدمات اللوجستية، وألبرت عون، رئيس مجلس إدارة "المجموعة الدولية للمعارض IFP Group"، وغيرهم من الأشخاص الذين عملوا معه في "بروكتر آند جامبل"، إلّا أنه لم تتمّ أتمتة عمليات الإنتاج والطباعة ثلاثية الأبعاد بالكامل بعد. وتبلغ قدرة الإنتاج الشهرية للشركة 500 سمّاعة، ويمكن رفعها إلى 1500، إلا أن ذلك لا يزال بعيداً جداً عن هدفهم النهائي المتمثل في إنتاج 10 آلاف وحدة.

التكنولوجيا لخدمة المجتمع

يسعى إدريس إلى إنتاج سمّاعات أذن لاسلكية في المستقبل، وتصنيع سماعات مخصصة للأفراد الذين يعانون من صعوبات في السمع. "منذ حوالي شهر ونصف، أقر القانون الأميركي للوسائل المساعدة للسمع إلغاء تصنيف تلك الوسائل ضمن الأجهزة الطبية وتصنيفها كأجهزة تُباع دون وصفة طبية. وعندما يبدأ تطبيق هذا القانون، لن يحتاج الأفراد للحصول على وصفة طبية للحصول على الوسائل المساعدة للسمع. ومن شأن ذلك أن يفتح المجال أمام الكثير من الإبداعات والابتكارات في قطاع الوسائل المساعدة للسمع، نظراً لعدم التطرّق إليه من قبل وكثرة المعوقات في السابق أمام دخول هذا المجال بسبب كلّ هذه القوانين". وسيشمل الجمهور المستهدف الأفراد الذين يعانون من مشاكل في السمع لكنها ليست متقدمة لدرجة استخدام إحدى الوسائل المساعدة للسمع. كذلك، من الممكن أن يبدأ إدريس بالنظر في إمكانية تصنيع جهاز مخصص للتخلص من الضوضاء في الأماكن المزدحمة.  

لقد أصبحت البيانات السمعية بديلاً عن البيانات المرئية في يومنا هذا، وباتت الكتب والمدونات الصوتية وبرامج المساعد الشخصي الذكي، مثل "كورتانا Cortana" و"سيري Siri" و"جوجل Google" وغيرها من الابتكارات، تُسهم في تمرير المعلومات إلى الأفراد دون التسبّب في أضرار بصرية لهم. فكلّ من الوقت وبعض "العبقرية التقنية" كفيلان بإطلاعنا عمّا يخبئ لنا المستقبل.

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة