تعليم البرمجة للاجئين الشباب يخلق فرص عمل للآلاف

هل يمكن أن يساهم تعليم مبادئ الترميز للاجئين الشباب في ضمان مسارهم المستقبلي وتأمينه؟ (الصورة عبر شركة البرمجيات الألمانية العملاقة «ساب SAP»).

اقرأ بهذه اللغة

وفقاً للأرقام التي نشرتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، وصل عدد اللاجئين السوريين المسجلين في كلّ من مصر والعراق والأردن ولبنان إلى 5.5 مليون نسمة. و17 في المئة من بين هؤلاء اللاجئين هم من الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 سنةً، أمّا نسبة الإناث ضمن الفئة العمرية نفسها، فتبلغ 16 في المئة.

وقد أسفر هذا المعدل المرتفع بشكلٍ ملحوظ عن تحفيز الكثير من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات لإطلاق برامج تعليمية لإشراك هؤلاء الشباب ووضعهم على المسار الصحيح. وفي هذا السياق، شكّلت المواضيع المتعلقة بالتكنولوجيا ومبادئ الترميز مجالين من أبرز المجالات التي ركزت عليها مختلف المنظمات والهيئات.

وفي مقابلةٍ له مع «ومضة»، صرّح حسام شاهين، كبير مسؤولي علاقات القطاع الخاص بالمفوضية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قائلاً: «سيساهم تعليم اللاجئين مبادئ الترميز في تمكين كافة فئات المجتمع، بما في ذلك الآباء والمعلّمين والمتطوعين والأطفال والجامعات والمدارس والمنظمات غير الربحية. وكذلك، سيؤدي تضمين مجال تكنولوجيا المعلومات في المواد والبرامج التعليمية المخصصة للاجئين إلى تزود الآلاف من اللاجئين الشباب بالمهارات الوظيفية المطلوبة من أجل ضمان توظيفهم وتحقيقهم الاكتفاء الذاتي مستقبلاً».

وتتعدّد الأمثلة ...

من خلال تنظيم وإطلاق ورش عمل ومعسكرات تدريب متخصصة في تعليم مبادئ الترميز للصغار والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و24 سنةً داخل المخيمات، تسعى فعالية «أسبوع البرمجة للاجئين Refugee Code Week» برعاية المفوضية إلى ضمان استدامة التدخلات التعليمية الملموسة والوظيفية في مختلف أنحاء أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. وقد تمّ الإعلان لأوّل مرّة عن «أسبوع البرمجة للاجئين» خلال مؤتمر القمة العالمي للعمل الإنساني في العام 2016، وتسعى هذه الفعالية إلى دعم «إعلان نيويورك بشأن اللاجئين والمهاجرين» الذي يهدف إلى تعزيز المساهمات الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين في مجتمعاتهم المحلية والبلدان المضيفة. وتجدر الإشارة إلى أنه يتمّ تنظيم هذه الفعالية في العديد من المخيمات والمراكز المجتمعية والجامعات القائمة في كلّ من مصر وفرنسا واليونان والعراق ولبنان والأراضي الفلسطينية والأردن والسويد وتركيا.

وفي هذا الإطار، عقدت شركة البرمجيات الألمانية العملاقة «ساب SAP»، الرائدة في مجال برمجيات وتطبيقات الشركات، شراكةً مع المفوضية وهيئات المجتمع المدني من أجل تنفيذ هذه المبادرة، ونظّمت عدداً من ورش العمل المعنيّة بتعليم مبادئ الترميز والتي استهدفت أكثر من 10,000 لاجئ في المنطقة. وقد ركّز «أسبوع البرمجة للاجئين» أجندته على التعليم، باعتباره أحد الخيارات لتحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان توافر الوظائف المناسبة مستقبلاً. وتعليقاً على ذلك، قال شاهين: «من خلال تدريب الشباب على اكتساب مهارات الترميز عالية الطلب، ساهمت فعاليات هذا الأسبوع في استعادة الأمل، في الوقت الذي تمكّنت من إعداد كوادر من القوى العاملة الماهرة للعمل في الشركات القائمة في منطقة الشرق الأوسط والتي تبحث حالياً عن المواهب في تكنولوجيا المعلومات».

ووفقاً للسيدة بتول الحسيني، مديرة إدارة المسؤولية الاجتماعية المؤسسية في شركة البرمجيات الألمانية العملاقة «ساب» بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تقوم الشركة بتدريب العمّال على الاقتصاد الرقمي، وذلك في إطار مسؤوليتها المؤسسية. وفي مقابلةٍ لها مع «ومضة»، صرّحت بتول الحسيني قائلةً: «وللمضي قدماً في الاضطلاع بمسؤوليتنا، نحن نؤمن بالالتزام الأخلاقي الواقع على عاتق الشركات الرائدة من أجل تشجيع الأفراد على اكتساب مبادئ الاقتصاد الحديث، بغض النظر عن منشأهم أو المكان الذي يأتون منه». وأشارت بتول إلى نجاح «أسبوع البرمجة للاجئين» بنسخته الثانية - وبالتعاون مع «ساب» وشركائها - في مساعدة الشباب على إتقان مبادئ الترميز، وذلك من أجل تحقيق مستقبلٍ أفضل وعالم أكثر إنصافاً. ثمّ أضافت: «تمّ تمكين أكثر من 15,000 طفل وشاب وتزويدهم بمهارات الترميز في تسع دول مختلفة هذا العام، وهي: الأردن ولبنان وتركيا ومصر والأراضي الفلسطينية والعراق واليونان وفرنسا والسويد».

وعلى المسار نفسه تأتي النسخة الثانية من مسابقة «ابتكر من أجل اللاجئين» الصادرة عن «منتدى MIT لريادة الأعمال (MITEF)» في العالم العربي. فقد أعلنت المسابقة أنه من بين 1,809 طلب تمّ تقديمها للمشاركة في المسابقة، تأهل 20 فريقاً من 12 دولة إلى الدور نصف النهائي للتنافس خلال الحفل الختامي الذي سيُعقد في مجمع الملك الحسين للأعمال في عمّان في 28 يناير 2018. وقد تمّ تقسيم الفرق على النحو التالي: ستة فرق من الأردن، وأربعة من لبنان، وفريق واحد من كلّ من كينيا ومصر وتونس والسويد وفرنسا واليونان والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا والنمسا وتركيا.

وتعليقاً على المشروع، صرّحت هلا فاضل، رئيسة "منتدى MIT لريادة الأعمال في العالم العربي"، في بيان صحفي لها قائلةً:  «كان حجم المشاركة في المسابقة هذا العام لافتاً، ولا سيما من اللاجئين أنفسهم الذين وصلت نسبتهم إلى 25 في المئة من إجمالي المشاركين. ونحن نعمل حالياً على تمكين اللاجئين من التعبير عن أفكارهم ومساعدتهم في تحويلها إلى حلول مبتكرة للتحديات والصعوبات التي يواجهونها في المخيمات». وقد قدّم المنتدى أيضاً الدعم للبرنامج التعليمي «ريآكت ReACT» الذي يهدف إلى جذب اللاجئين للالتحاق ببرامج التدريب على الحاسوب، والتي سيتم إطلاقها لأوّل مرّة هذا العام لمدة أسبوعين خلال الفترة الممتدة بين 14 وحتى 28 يناير 2018.

وتحقيقاً للغاية نفسها، تسعى منصة «إيريز أول كيتنز Erase All Kittens (EAK)» الإلكترونية والقائمة في المملكة المتحدة إلى تعليم الفتيات اللّواتي تتراوح أعمارهن بين 8 و14 سنةً قواعد لغات الترميز، مثل «لغة ترميز النصوص التشعبية (إتش تي إم إل HTML)»، وكذلك القضاء على مخاوفهم من الترميز عن طريق تحويل عملية التعلّم إلى ألعاب مبسطة (منهجية التلعيب). وقد عقدت المنصة أيضاً شراكةً مع منظمة «تيك فيوجيز Techfugees» غير الربحية والمعنيّة بتلبية احتياجات اللاجئين، وذلك من أجل تزويد الفتيات السوريات بحسابات مجانية. وقد تمّ تنظيم أوّل ورشة عمل على منصة (EAK) في 30 أكتوبر 2017 في مدينة حمص السورية، وذلك بالشراكة مع شركة «آي تي أدفايس IT Advice» المؤلفة من فريق عمل شغوف بمجال التكنولوجيا. إضافة إلى ذلك، تبرّعت المنصة بـ60 حساب للفتيات اللّواتي شاركن في ورشة العمل هذه.

ومن ناحية أخرى، بدأ المجلس النرويجي للاجئين (NRC) بتنظيم برامج تعليمية وتدريبية مكثفة تستهدف الشباب وتنطوي على تعليم لغات الترميز والبرمجة للاجئين الشباب. وفي هذا الإطار، علّقت إيما بونار، مديرة برنامج الشباب في المجلس النرويجي للاجئين في الأردن قائلةً: «نحن ندرّب الشباب على أساسيات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وكيفية استخدام أجهزة الكمبيوتر، وذلك من أجل الحصول على شهادة الرخصة الدولية لقيادة الحاسب الآلي (ICDL) ودورات تصميم صفحات الويب. وعلاوةً على ذلك، نلجأ للاستعانة بالتكنولوجيا كوسيلة من الوسائل المستخدمة للتدريب وذلك من خلال مزيج من أساليب التعلّم، في الوقت الذي نسعى إلى تقديم العديد من الدورات المعنيّة بالصحة أو العلوم أو اللغات أو مهارات الطباعة على الحاسوب».

ما الدروس المستفادة؟

خلال «أسبوع البرمجة للاجئين» الذي انعقد في العامين 2016 و2017، تعلّم الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و17 سنةً كيفيّة استخدام تطبيق «سكراتش Scratch» المجاني من تطوير مختبر «MIT ميديا لاب MIT Media Lab» من أجل تبسيط واجهة الترميز حتى يستوعبها جيل الشباب. ووفقاً لبتول الحسيني، تمّت مشاركة أكثر من 15 مليون مشروع حتّى الآن على المنصة www.scratch.mit.edu. وفي الوقت نفسه، تعلّم المشاركون الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنةً مبادئ برمجة الويب، وذلك ضمن دورة تمهيدية قدّمها خبراء في تقنيات الويب (بما في ذلك «لغة ترميز النصوص التشعبية (إتش تي إم إل HTML)» و«صفحات الطرز المتراصة (سي إس إس CSS)» و«جافا سكريبت Javascript» و«بي إتش بي PHP» و«لغة الاستعلامات البنيوية (إس كيو إل SQL)»)، هذا بالإضافة إلى تدريس كيفية إنشاء موقع إلكتروني يمكن تشغيله بالكامل على الأجهزة المتنقلة. أمّا بالنسبة لورشة العمل الذي انعقدت في حمص على منصة «EAK»، فقد نجحت في تشجيع الفتيات على دخول عالم البرمجة. وحول هذا الموضوع، علّق فادي عشي، عضو الفريق الاستشاري في شؤون تكنولوجيا المعلومات، قائلاً: «لقد قمنا بتعليمهنّ أساسيات لغة ترميز النصوص التشعبية وبدأنا بتطوير موقع إلكتروني أساسي يعرض أسماءهنّ. وفي نهاية ورشة العمل، جرّبنا اللعبة معاً ثم طبقنا الدروس المستفادة على اللعبة». ووفقاً لإيما بونار، يظهر الشباب شغفاً وطموحاً للتعلّم واكتساب معارف جديدة. فهم يحبّون التكنولوجيا والآفاق التي تفتحها أمامهم. وأضافت إيما: «ينبغي أن نحرص على ألّا يتمّ التركيز على مجرد مهارة واحدة أو حلّ بعينه من مهارات وحلول تكنولوجيا المعلمات (كالترميز) فحسب اعتقاداً أنه سيكون مغني عن غيره، بل السعي لتوفير العديد من الخيارات التي قد تثير اهتمام الشباب لمتابعتها، والتي قد تتيح المزيد من الفرص لاستخدام هذه المهارة فيما بعد».

 
سيساهم تدريب اللاجئين الشباب وتثقيفهم في ضمان مستقبلٍ أفضل لهم (الصورة عبر شركة البرمجيات الألمانية العملاقة «ساب SAP»).

فرص التوظيف

في الواقع، إن تزويد الشباب بالخلفية الأكاديمية الضرورية يعدّ أمراً بالغ الأهمية لمستقبلهم، والأهم من ذلك هو مساعدتهم في اكتساب المهارات العمليّة التي تطلبها الشركات، كيّ يستفيد اللاجئون مما تعلموه.

 

على المستوى العملي، أوضحت بتول الحسيني أن الطلاب الواعدين من الصفوف التي يشرف عليها الخبراء يحظون بفرصة للانضمام إلى معسكرٍ تدريبي معني بمجال الترميز مدّته 16 أسبوعاً، ليصبحوا بعد ذلك من أفضل مهندسي الكمبيوتر المبتدئين الجاهزين للتوظيف محلياً أو إقليمياً أو دولياً. وأضافت بتول: «حتّى الآن، تمكّن أكثر من 75 مشاركاً من إيجاد وظائف مناسبة لهم، ويبلغ متوسط رواتبهم 1,100 دولار أميركي شهرياً. ويجري حالياً تنظيم معسكرات تدريبية في كلّ من الأردن وتركيا والعراق، وذلك من خلال شركائنا الرئيسيين، مبادرة «ريبوت كامب ReBootKamp (RBK)» و«ري:كوديد Re:Coded».» واستطرت موضحةً أن مبادرة «ريبوت كامب» تستقطب العديد من أبرز الشركاء في مجال التوظيف. تمّ تابعت قائلةً: «ونظراً لاستخدامنا منهج يستند إلى المناهج المعتمدة في وادي السليكون من أجل إعداد مهندسين يتقنون الممارسات الفُضلى في الوادي، فنحن ننجح في استقطاب هذا القطاع. فهم يعتمدون اعتماداً كبيراً على «ريبوت كامب» من أجل تنشئة المواهب المنتظرة».

وكذلك، يسعى المجلس النرويجي للاجئين إلى ضمان توفير فرص عمل للشباب المنتسبين لبرامجه. وفي هذا السياق، أوضحت إيما بونار قائلةً: «نحن ندعم الشباب ونساعدهم في اكتساب المهارات الضرورية، ومن ثمّ الانتقال إلى الحياة الشخصية والعمليّة. وينطوي ذلك على ضمان تطابق المهارات الريادية مع متطلبات العمل المفروضة على الخرّيجين العاملين في هذه القطاعات، حيث تسمح الحكومة الأردنية بتوظيف السوريين. وبالطبع، يتمّ فرض بعض القيود على ذلك، نظراً لارتفاع معدل بطالة الشباب في الأردن ولمحدودية القطاعات التي يمكن للسوريين العمل فيها. وكذلك، نحن نساعد الشباب في التعرّف على الفرص المتاحة كي يستخدموا مهاراتهم لتحقيق المنفعة الاجتماعية داخل مجتمعاتهم». وبالتالي، من المنطقي أن تصاحب الأزمات تحدياتٌ كبرى، ولا سيما على المستويات الاجتماعية والاقتصادية.

لكن لا يزال النقص في مهارات تكنولوجيا المعلومات قائماً

وفقاً لبتول الحسيني، فإن الأزمة الرئيسية القائمة حالياً تتحول إلى مفارقة أخرى تثير القلق؛ فتقول: «من جهةٍ، ثمّة مخيمات للاجئين تتطور لتصبح مستوطنات دائمة، حيث لا تتاح للأطفال فرص التعليم وترتفع معدلات عمالة الأطفال. ومن جهةٍ أخرى، تجد توقعات النمو الإيجابية المذهلة لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا مذهلةً، باعتبارها ثاني أسرع الأسواق نمواً على مستوى العالم». وبرغم هذه التوقعات للنمو، اختتمت بتول الحسيني حديثها قائلةً: «يواجه الاقتصاد العالمي نقصاً غير مسبوق في مهارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وبالتالي، يعدّ تزويد جيل الشباب بمجموعة المهارات والأدوات الملائمة أمراً جوهرياً لترجمة هذه التحديات التاريخية إلى فرص نمو لم يسبق لها مثيل».

 
 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة