English

الدرس الذي تعلمته من كل أزمة: السيولة أولًا

English

الدرس الذي تعلمته من كل أزمة: السيولة أولًا
AI-generated illustrative image

في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات سياسية وأمنية، هناك حقيقة ينبغي أن تبقى حاضرة في أذهان المؤسسين والرؤساء التنفيذيين والمستثمرين، وهي أن السيولة تبقى أهم ما تمتلكه الشركات في أوقات الأزمات. 

فالسيولة هي ما يمنح الشركات القدرة على الاستمرار بثقة وهدوء عندما تسود حالة من القلق وعدم اليقين. وهي ما يحميها من القرارات المتسرعة التي تُتخذ تحت الضغط، ويجنبها الاضطرار إلى التفريط في الكوادر والخبرات التي استثمرت سنوات في بنائها. كما تتيح لها التركيز على تطوير المنتجات وخدمة العملاء وتنفيذ خططها، بدلًا من استنزاف الوقت والجهد في التعامل مع تداعيات الأزمة لحظة بلحظة.

وخلال مراحل النمو، تزداد أهمية السيولة، لأنها تمنح الشركات القدرة على مواصلة خدمة عملائها بالكفاءة والاهتمام نفسيهما حتى عندما تهتز الظروف من حولها.

تعلمت هذا الدرس بالطريقة الصعبة، وتعلمته مرارًا. فخلال سنوات إدارتي لأراميكس، كان أكثر ما يمنحني الثقة في أوقات الأزمات هو وجود سيولة كافية. وقد مررنا بأزمات كثيرة، من الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، إلى أزمات إقليمية متعاقبة، وصولًا إلى الأزمة المالية العالمية عام 2009. وفي كل مرة تقريبًا، كانت النتيجة واحدة. فعندما كانت السيولة متوفرة، كنا نؤدي بشكل أفضل، ونجد حلولًا للتحديات التي واجهت عملاءنا خلال الأزمة، ونكسب حصة أكبر من السوق، ثم نخرج منها في وضع أقوى مما كنا عليه قبلها.

وقد حافظ عملاؤنا على ثقتهم بنا لأننا واصلنا التركيز على احتياجاتهم حتى في أصعب الظروف. كما استمر الموردون في العمل معنا لأنهم كانوا يعلمون أننا جهة يمكن الاعتماد عليها، وظل موظفونا أوفياء للشركة لأننا لم نستخدم الأزمات يومًا ذريعة لتحميلهم ثمنها.

لكنني رأيت الوجه الآخر من الصورة أيضًا. فقد كنت مستثمرًا في شركات عانت للحفاظ على توازنها كلما مرت المنطقة بأزمات واضطرابات. ومن هنا جاء الدرس الأهم: إذا كنت تبني شركة في هذه المنطقة، فعليك أن تفترض دائمًا أن التقلبات جزء من الواقع وليست استثناءً. لذلك، احرص على أن تمتلك سيولة تكفيك لعام كامل على الأقل، وتمسك بأفضل الكفاءات لديك، ولا تسمح للأحداث من حولك بأن تشتت تركيزك. كما أنصح بالحذر من استراتيجية الإنفاق المكثف على أمل الوصول إلى النجاح لاحقًا، إلا إذا كنت تمتلك بالفعل السيولة الكافية، وتتمتع بملاءمة حقيقية بين المنتج والسوق تبرر هذا الرهان.

ولا تقتصر المسؤولية في مثل هذه الظروف على المؤسسين وحدهم، بل تشمل المستثمرين أيضًا. فبدلًا من الذعر، ينبغي عليهم دعم أفضل الشركات في محافظهم الاستثمارية، والاقتراب منها والتعمق في فهم أوضاعها، بدءًا من السوق والمنتج، وصولًا إلى معدل استهلاك السيولة والمدة المتاحة قبل الحاجة إلى تمويل جديد. والأهم من ذلك كله، ألا يدفعوا المؤسسين إلى قرارات قد يندم عليها الجميع لاحقًا. فالمعنويات تكون هشة أصلًا في أوقات الأزمات، والموظفون لا يعيشون آثارها داخل العمل فقط، بل يواجهون ضغوطها في منازلهم وفي حياتهم اليومية أيضًا. لذلك، لا داعي لإضافة مزيد من الضغوط غير الضرورية عليهم.

والأزمات لها ميزة واحدة على الأقل، فهي تكشف لك حقيقة الأشخاص الذين تراهن عليهم. ففي مثل هذه الظروف تعرف أي المؤسسين قادر على الحفاظ على استقرار وتماسك شركته واتخاذ القرارات الصعبة وسط الضبابية، وأيهم لا يستطيع. وعندما تجد المؤسسين القادرين على ذلك ويحتاجون إلى التمويل، فهذه هي اللحظة التي أرى أنه ينبغي فيها زيادة استثمارك، لأن أفضل العوائد غالبًا ما تأتي من مثل هذه القرارات.

وبعض أفضل استثماراتي جاءت بهذه الطريقة. فخلال جائحة كوفيد-19، تواصلت معي هاندي تشيلينغير، الشريكة المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة Insider، لجمع جولة تمويل جديدة في ذروة الإغلاق العالمي الذي فرضته الجائحة. وبالنسبة لنا، كان قرار دعمها واضحًا منذ البداية. فقد كانت الشركة تمتلك مؤسسين أقوياء يتمتعون بالخبرة والثقة، وفهمًا عميقًا للمنتج، وفريقًا ملتزمًا، والأهم رؤية واضحة لما بعد الأزمة. واليوم أصبحت Insider شركة عالمية تتجاوز قيمتها مليار دولار.

وهناك مثال آخر قريب إلى قلبي، وهو مكتوب، أول قصة نجاح حقيقية لشركة إنترنت في العالم العربي. فقد حصلت الشركة على التمويل قبل فترة وجيزة من انهيار شركات الإنترنت مطلع الألفية. ومع انهيار القطاع في عام 2000، اختفى معظم المنافسين الجادين من المشهد، لكن سميح توكان وحسام خوري واصلا العمل والبناء. فقد حافظا على السيولة، والتزما بالإنفاق بحذر، وبنيا فريقًا تقنيًا استثنائيًّا، وواصلا التركيز على بناء منتج يلبي احتياجات السوق. وكان هذا الانضباط هو ما قاد في النهاية إلى نمو الشركة وبناء إيرادات حقيقية، ثم إلى استحواذ Yahoo عليها في عام 2009. ومن مكتوب جاءت سوق "Souq" ، التي أصبحت لاحقًا جزءًا من  أمازون، ومن الشركتين معًا خرج كثير مما شكّل البنية الأساسية للاقتصاد الرقمي في المنطقة. وكل ذلك تحقق خلال فترات لم تكن سهلة على الإطلاق.

ولعل أهم ما تعلمته أن الأزمات تمر، لكن القرارات التي نتخذها خلالها قد تترك أثرًا يستمر لسنوات. لذلك، لا يتعلق الأمر بالأزمة نفسها بقدر ما يتعلق بما يأتي بعدها. فالشركات التي تستعد جيدًا وتحافظ على تركيزها وتدير مواردها بحكمة، هي التي تخرج أقوى عندما تهدأ الأمور. وفي النهاية، يكون النجاح من نصيب من أحسن إدارة الأزمة واستعد جيدًا لليوم التالي.

نُشر هذا المقال في الأصل على منصة Arabian Gulf Business Insight (AGBI).

شكرا

يرجى التحقق من بريدك الالكتروني لتأكيد اشتراكك.