شركة مصرية تسعى لجعل إنتاج النفط صديقاً للبيئة

اقرأ بهذه اللغة

بدّل التصديع المائي أو الهيدروليكي للصخور الجوفية، قبل 15 عاماً، قطاع النفط والغاز في العالم إلى غير عودة. أمّا اليوم، فيمكن للتقنية المطوّرة في أعقاب هذا التحوّل أن تكون عاملًا مساعداً على حلّ مشكلة بيئية رئيسة يعاني منها إنتاج النفط في منطقة الشرق الأوسط.

والرجل الذي يدير إدخال وحدات معالجة الغاز الطبيعي الصغيرة الحجم والمحمولة، إلى الشرق الأوسط، هو الرئيس التنفيذي لـ"شركة تنمية للبترول" Tanmia Petroleum Company في مصر، طارق البرقطاوي.

يرغب البرقطاوي في ايقاف شركات النفط عن إحراق الغازات الفائضة عن حقول النفط، ويعتقد أنّه لو استطاعَت "شركة تنمية للبترول" إثبات فعاليتها في مصر، ستتمكّن هذه التقنية من الانتشار في ما تبقّى من دول الشرق الأوسط وأفريقيا.


فريق عمل "تنمية للبترول" خلال اجتماعٍ للشركة. (الصورة من "فايسبوك")

وفي حديثٍ له مع "ومضة"، قال إنّ "الأمر لا يتعلّق بتقديم المساعدة الإنسانية وحسب، وهي أمرٌ عظيمٌ من دون شكّ، إنّما بالفائدة الاقتصادية أيضاً." وأضاف أنّه "إذا استطعنا الاستفادة من تقنيةٍ أثبتَت نفسها في ميدان العمل، وإذا استطاع الأفراد تصوّر قابلية تطبيقها في دولةٍ تحاول فعلاً الاستفادة من أصغر الأمور كمصر مثلاً، أعتقد أنّها ستُعمّم [في أنحاء المنطقة كافة]."

يعتقد البرقطاوي أنّها فكرةٌ ثورية، إلا أنّ أوّل ما يجدر القيام به هو إقناع الجهات المعنية بقطاع الغاز والنفط في مصر بالنظر إلى المشكلة وبالفرصة المتوفّرة لحلّها.

المشكلة

لا تحتوي حقول النفط على النفط وحسب، بل تتضمّن أيضاً كمّياتٍ متفاوتةً من الغاز الطبيعي التي يمكن تقسيمها بدورها إلى فئاتٍ مختلفةٍ واستعمالها لأغراضٍ مختلفة.

غير أنّ منتِجي النفط لا يريدون بالضرورة هذا الغاز، فقد تكون البئر بعيدةً للغاية عن السوق أو عن أنبوبٍ يصلح لنقلها، أو قد تكون كمية الغاز غير كافيةٍ للإنتاج أو أنّ الكلفة مرتفعةٌ تمامًا كما في مصر حيث تنصّ الكثير من العقود الموقّعة على سعر 2,65 دولار أميركي لكلّ مليون وحدة حرارية بريطانية BTU للغاز الطبيعي.

الطريقة الحالية للتخلّص من الغاز غير المرغوب به تتمّ عبر حرقه فوق هذه الأبراج.

ويتسبّب هذا الحرق بتسرّب جسيماتٍ ومركّباتٍ عضوية تتطاير في الهواء كأوّل أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكربون، لذلك تعمد الحكومات إلى تحديد كمّية الغاز التي يمكن إحراقها يوميّاً. وهذا يعني أنّه لا بدّ للشركات التي تعمل في حقولٍ تحتوي على كميات كبيرةٍ من الغاز أن تبطئ إنتاج النفط، كي لا تتجاوز الكمية المحدّدة لإحراق للغاز.

خلال كتابة هذه المقال، أعلنَت شركة "جي تي يو أي تي" GTUIT، وهي إحدى الشركات التي تزوّد "شركة تنمية للبترول" بوحدات معالجة الغاز، أنّ التقنية الخاصّة بها التقطت 76 ألف طنٍّ من المركّبات العضوية المتطايرة كأوّل أكسيد الكربون ونحو 40 ألف طنٍّ من ثاني أكسيد الكربون.

"لاحظنا أنّ المكوّنات المحروقة التي يتمّ اعتبارها مخلّفات، تشكّل كمياتٍ لا بأس بها من الغازات،" بحسب البرقطاوي الذي يضيف أنّ الجيوب الغازية التي يتمّ إحراقها يوميّاً في مصر تُقدّر بمليون أو مليونَي قدمٍ مكعّب، بالإضافة إلى 110 ملايين قدمٍ مكعّبٍ يتمّ هدرها يومياً.

الفرصة

تساوي بعض أجزاء هذه الغازات المحروقة الكثير، وهي جميعها مفيدة. فوفقًا لدراسةٍ لهذه الحالة قامَت بها شركة "برج" Berg الكندية التي تعمل في مجال تكنولوجيا حقول النفط، إنّ إحراق الغازات هو "حرفياً إحراق الأموال".

يتألّف الغاز الطبيعي من غازَي الميثان والإيثان المفيدَين في توليد الكهرباء عند إحراقهما. ويشكّل البروبان والبيوتان الغازَ النفطيّ المُسال، وهو وقودٌ مهمٌّ للطهو. أمّا البنتان والغازات اللاحقة له، فتُعرف بالمتكثّفات condensates التي تُستخدَم في الصناعات البتروكيماوية؛ وهي تُباع عادةً بأقلّ من خمسة دولارات من سعر نفط خام برنت، المعيار الأساسي لتسعير نفط الولايات المتحدة.

في هذا السياق، أعدّ فريق البرقطاوي بعض الحسابات الأوّلية الحذرة التي تحدّد مقدار الغازات التي يمكن الحصول عليها باستخدام التقنية الجديدة من بئرٍ يُحرق فيها مليون قدمٍ مكعّب من الغاز يوميّاً: يمكن الحصول على كمّيةٍ من الميثان والإيثان تكفي لتوليد 2 إلى 3 ميغاواط من الكهرباء أو لتشغيل موقع البئر، كما يمكن الحصول على 10 أطنان من الغاز النفطيّ المُسال وربّما على ألفي [7570.50 ليتراً] من المتكثّفات المرتفعة الثمن.

التقنية

تستعمل وحداتُ معالجة الغاز التجزئةَ من خلال التجميد التي يتمّ من خلالها تبريد الغاز إلى أربعين درجة مئوية تحت الصفر، فتُفصَل الغازات الثقيلة، أيّ البروبان والغازات اللاحقة له، عن الغازات الخفيفة كالميثان والإيثان.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الوحدات التي تملكها "شركة تنمية للبترول" والتي زوّدتها بها شركة "برج" وشريكتها في الولايات المتحدة شركة "جي تي يو أي تي"، قادرة على تبريد كمّياتٍ صغيرةٍ للغاية من الغازات.

طوّرَت كلّ شركةٍ وحداتٍ صغيرةً لشركات النفط التي تنقّب في حقول النفط الصخري في الولايات المتّحدة. وفي ظلّ التباطؤ الأسرع لآبار النفط الصخري مقارنةً بمعدّل التباطؤ في إنتاج النفط التقليدي الذي يصل إلى 60% خلال الأشهر الستّ الأولى من الإنتاج، إلى جانب الكلفة العالية لإيصال هذه الكميات الصغيرة من الغاز إلى الأسواق في الولايات المتّحدة، تمّ السعي إلى إيجاد حلٍّ يتناسب مع كمّيات الغاز الصغيرة والمتراجعة. ولا بد لأيّ حلٍّ ّ أنّ يتمتّع بديناميكيةٍ عاليةٍ لدرجةٍ يمكن فيها تفكيك الوحدة ثمّ وضعها في مكانٍ جديد خلال 24 ساعةً. 

يقول البرقطاوي إنّه لأمر رائع أن يتمّ جمع الكميات الصغيرة من الغاز الطبيعي في حقول النفط المنتشرة في صحاري مصر الغربية والشرقية الواسعة. غير أنّ هذا يعني أيضاً أنّه يجدر بالوحدات أن تستجيب إلى معايير دقيقة، إذ لا بدّ لها أن تكون صغيرةً بما يكفي لتناسب مقاس الجزء الخلفي من الشاحنة ولتحمل كمّياتٍ صغيرةً تصل إلى 0,5 مليون قدم مكعّب من الغازات يوميّاً. ولا بدّ لها أيضاً أن تكون مقسّمةً إلى وحدات، فيجوز إضافة وحداتٍ معيّنةٍ أو إزالتها في الموقع، وفقاً لمقدار الغازات المنتَجة في بئر نفطٍ واحدة.

ويمكن للوحدات أن تعمل على درجات حرارةٍ تتراوح ما بين 15 درجةً دون الصفر و45 درجةً مئويةً، بعدما يتمّ تغليفها بسترةٍ واقيةٍ تمكّنها من تحمّل العواصف الرملية ودرجات الحرارة العالية في الصحراء المصرية.

"يستطيع كثيرون تصميم محطّات غاز [كبيرة]، إلا أنّ هذه الأخيرة [لا تكون مقيّدةً] بمساحةٍ معيّنةٍ، ويمكن إنشاؤها على أيّ قطعة أرضٍ إنّما ليس نقلها على مزلقةٍ ووضعها في الجزء الخلفي من الشاحنة،" على حدّ قول البرقطاوي. فيمكن للوحدات أن تعالِج الغازات في الموقع بشكلٍ كاملٍ أو أن تبرّدها بما يكفي لفصل الميثان والإيثان - المستخدَمَين في توليد الكهرباء للموقع - عن المكوّنات الأخرى عالية التخصيب التي يمكن شحنها فيما بعد لمعالجتها في مكانٍ مختلف.

الغد

لم تُستعمَل حتّى اليوم وحدات معالجة الغاز الطبيعي المبرّدة والمحمولة التي توفّرها "شركة تنمية للبترول"، إذ أنّ العملاء المحتملين، كشركتَي النفط الحكوميتين "مجابتكو" Magapetco و"إشبيتكو" Eshpetco، ما زالوا يبحثون في هذا المفهوم. ويقول البرقطاوي الذي مُنِح عقد استعمال هذه التقنية في منتصف عام 2014: "نحن على استعدادٍ منذ ستّة أو ثمانية أشهر وننتظر قرار القطاع النفطي،" مضيفاً أنّ "هذا سيكون بمثابة ثورة إن لم يكن تطوّراً على الأقلّ مع ما يجري في مصر."

بالإضافة إلى ذلك، يعتقد الرئيس التنفيذي لشركة "تنمية للبترول" أنّ الفوائد البيئية للحدّ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الاستخراج الهائل للنفط الأحفوري في مصر ستؤهّل شركته للحصول على رصيدٍ إضافيٍّ من انبعاثات الكربون المسموح بها بموجب بروتوكول كيوتو. وعلى الرغم من امتلاك الحكومة لكامل الشركة، يقول إنّ الشركة تعمل كما لو كانت خاصةً، ما سيسمح لها بالحصول على هذا الرصيد.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة