هل حان وقت الثورة في قطاع النفط؟

اقرأ بهذه اللغة

حقول نفط متصلة بالإنترنت (الصورة من "أباتشي" Apache)

قد لا يكون من وقتٍ أفضل من اليوم أمام روّاد الأعمال كي يُحدثوا ثورةً في عالم النفط والغاز.

فيما يتراوح سعر النفط ما بين 45 و49 دولاراً للبرميل الواحد، أصبح لاعبو إحدى أكبر القطاعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر تقبّلاً لتقنيّاتٍ جديدةٍ من شأنها أن تخفض كلفة إنتاجهم.

غير أنّ الأرقام تحذّر أنّ هذا القطاع الخصب منذ فترةٍ طويلةٍ بسبب عائدات أسعار النفط المرتفعة، ومع أنّه بات ناضجاً بما يكفي ليبدأ لاعبون جدد فيه بإحداث تغييراتٍ هائلة، على غرار ما فعلته شركة "آبل" من خلال "آي تيونز" في عالم الموسيقى، إلاً أنّه ما زال محافظاً: ابتعدَت بعض الشركات الشرق أوسطية عن الإنترنت بعدما تعرّضت شركة "أرامكو" Aramco السعودية لهجومٍ إلكتروني واسع النطاق في عام 2012.

في "مؤتمر ومعرض الشرق الأوسط للنفط الذكي" الذي عُقد من 14 إلى 16 أيلول/سبمتبر في أبو ظبي، المدينة التي تضمّ أحد المراكز العامّة القليلة المخصّصة للبحوث البترولية في المنطقة، أبدى الخبراء تفاؤلاً حذراً بشأن إمكانية حدوث ثورةٍ تكنولوجيةٍ في قطاع النفط والغاز.

يقول نائب رئيس الهندسة البترولية في الشركة المزودة لخدمات الطاقة "شلامبرجر" Schlumberger، رجيش بوري، في حديثه مع "ومضة" إنّ ثمّة فسحة كبيرة أمام روّاد الأعمال ليبدأوا بإحداث تغييرٍ في نماذج العمل التقليدية.

ويتابع مضيفاً: "حتماً، من دون شك؛ فبإمكان الشركات الناشئة أن تتقدّم بسرعةٍ أكبر ممّا يمكننا نحن. لم تعد التكنولوجيا تقف حاجزاً، وكلّ ما يجب فعله هو تطبيقها في الاستعمالات المحلّية."

يرى بوري فرصاً في المنتَجات المرتكزة إلى الحوسبة السحابية والإنترنت الصناعي، وهما مجالان تعمل فيهما الشركات الأميركية منذ وقت، إلاّ أنّه ما من شركةٍ شرق أوسطية بدأت تفكّر فيهما بعد.

قطاع النفط اليوم

تقول نائبة رئيس "واي برو تكنولوجيز" Wipro Technologies، هيلين جيلمان (الصورة أدناه)، إنّ "قطاعاتٍ أخرى واجهَت ضغطاً كبيراً لتتغيّر وإمّا ينتهي أمرها. أمّا في مجال إنتاج النفط، فقد كنّا محظوظين، إذ لم نواجه مثل هذا الضغط. لقد كنّا نعمل في جوّ مواتٍ جداً في السنوات القليلة الماضية."

ولكنّ الضغط وصل الآن، فقد بات على قطاع النفط اليوم أن يقوم بالمزيد وبكلفةٍ أقل. فالإنفاق بات محدوداً، وجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية بدأ يتقاعد، مُزيلاً معه كمّاً هائلاً من المعرفة من هذا المجال.

ومن المشاكل التي تخصّ الشرق الأوسط، نذكر تراجع عدد حقول النفط الناضجة والاضطرار للعمل في مكامن نفطيةٍ جديدةٍ يصعب استخراج النفط منها.

على الصعيد التقني، تجد الشركات نفسها مغمورةً بالبيانات، ولكن ليس بمقدورها فعلاً أن تستفيد منها في الوقت الحقيقي – ومع ذلك، فإنّ القليل منها يستثمر مباشرةً في الابتكارات التي من شأنها أن تسمح لها باستخدام هذه البيانات بأفضل الطرق.

إنّ انخفاض الأسعار يدفع شركات النفط، سواء كانت صغيرةً أو كبيرة، إلى بدء الحديث عما يمكن تحسينه، علماً أنّ الخبراء الفنيين في هذا المجال يقولون إنهم يرون انفتاحاً جديداً على الأفكار لم يكن موجوداً منذ عامين.

وتقول المديرة العامة لـ"شوفرون" Chevron في جنوب أفريقيا، جنين جودا، إنّه "في هي الأوقات الصعبة عندما تكون الأسعار منخفضة، يكون الوقت مثالياً للتوقف لبرهةٍ والتنفس عميقاً وإلقاء نظرةٍ على كميات البيانات الهائلة تلك. فالتكنولوجيا باتت، اليوم أكثر من أي وقت مضى، تخوّل الشركات من خفض تكاليفها."

"لم يعد الابتكار ترفاً، بل ضرورةً"

لقد أمضت شركات النفط والغاز، المحلية أو العالمية منها، السنوات الخمسة عشرة الماضية تستثمر في تقنياتٍ مثل التحاليل وأجهزة الاستشعار وبرمجيات التصوّر visualization software.

أما فرصة إحداث التغيير الآن، فتتمثّل في الاستفادة من التقنيات المتاحة الآن من أجل تحقيق تكاملٍ أفضل بين العمليات التي تكون داخل الموقع وخارجه. وذلك يعني مراقبة العمليات عن بعد وحلّ المشاكل، وابتكار برمجياتٍ قادرةً على إنتاج توقّعات، ونُظُمٍ توفّر معلومات في الوقت الحقيقي، واستحداث نماذج جديدة من شأنها أن تعيد هيكلة كيفية إدارة هذه الشركات من الأساس – بالطريقة التي أحدثت فيها "آي تيونز" قفزة نوعية في عالم بيع الموسيقى وشرائها.

وبدوره، يقول مدير تطوير الأعمال في "أي بي أم" IBM، أولي إفنسون، إنّه "من المحزن أن تقتصر إنجازاتنا على أن نكون روّاداً في التنبّؤ بالمشاكل وحلّها. علينا إيجاد طريقةٍ لقراءة البيانات غير المنظّمة، تماماً كما يفعل الإنسان، بلغةٍ طبيعية... علينا إيجاد نظام لا يقدّم لك مشاهداتٍ مثل ‘جوجل‘، بل يوفّر توقّعاتٍ ورؤىً".

وتقول جيلمان من "واي برو" إنّ الشركات تستخدم 20% فقط من البيانات المجموعة، حيث أنّ الكثير من التقنيات المذكورة أعلاه غير مستخدَمة. وضيف أنّ عملية إنتاج النفط ليست فعّالةً للغاية حالياً، ومن شأن تبسيط جوانب منها أن يُحدث وفوراتٍ إضافية هائلة في التكاليف – وهو أمر هام في ظل الأسعار الراهنة. 

وقد رأت فرصاً هامّةً من حيث إدارة حركة المعلومات بفعاليةٍ أكبر بين مختلف فرق العمل والمقاولين المشاركين في عملية الإنتاج، والقدرة على إعادة هندسة مشاريع كبرى بما يسمح بمراقبة سير العمل عن بُعد وإدارة المشاكل التي تطرأ، والحوسبة الإدراكية cognitive computing.

والحوسبة الإدراكية (التي تحاكي كيفية تفكير الإنسان وإدراكه للأمور) هي مجالٌ صاعدٌ قد بدأ يعود بنتائج واعدة في التحليلات التوقّعية. وفي هذا الإطار، تقول جيلمان إنّهم بدأوا يرون كيف يمكن استخدام التكنولوجيا "للبحث الذكي"، كما وصفه إفنسون، لاستخراج التوقّعات من سنواتٍ من البيانات الخام.

تغيير وجهة نظر شركات النفط الكبرى

السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه على الداخلين الجدُد إلى هذا المجال، هو كيف يقنعون شركات النفط المحافِظة بأنّها بحاجةٍ إلى منتَجٍ جديدٍ عالي التقنية في الوقت الذي تعمل فيه على خفض إنفاقها.

يقول نائب رئيس تحسين المنتَجات في الشركة المزوّدة لخدمات حقول النفط "ويزر فورد" Weatherford، أشوك ديكسيت Ashok Dixit، إنّ "الجميع يبحثون عن طرق لاحتساب العائدات على استثمارهم return on investment. وللقيام بذلك، يجب أن يكون لديك مؤشرات الأداء الرئيسي KPI المناسبة، وبالتالي يمكنك أن تحوّل هذه الأرقام إلى أموال."

يجدر بشركات النفط أن ترى براهين تبيّن لها كيف سيساعدها منتَجٌ معيّنٌ على زيادة عائداتها النهائية. وقد يتضمّن ذلك مؤشراتٍ حول الوقت الضائع غير المخطّط له unplanned downtime، والوقت الضائع بسبب الصيانة، واستهلاك الطاقة، وجرد المواد الكيماوية، والشؤون اللوجستية، وعمر المعدات.

من الضروريّ أيضاً، جعل الحلّ سهلاً بشكلٍ يصبح فيه طبيعةً ثانية. وذلك يعني تصميم تجربةٍ أفضل للمستخِدم في برمجيات إدارة البيانات، وفقاً لبوري من "شلامبرجر". وفي هذا السياق، ذكر هذا الأخير شركة "بيتروناس" Petronas كمثالٍ عن شركة بدأت تستخدم الإدارة الذكية لحقول النفط وضاعفت إنتاجها بثلاث مرات، ورفعت وقت عمل إنتاج الآبار well production بنسبة 20%، وخفضت فترات جمع المعلومات من الآبار well test من تسعة أيام إلى ساعتين.

في حين بدأ تغييرٌ تكنولوجيّ يطرأ على قطاع النفط والغاز في بعض أنحاء العالم، كانت منطقة الشرق الأوسط بطيئةً في تبني هذه التقنيات. ولكن، ونظراً إلى أنّ انخفاض أسعار النفط يُوجِد رياحاً سياسية معاكسة في المنطقة، لا بدأ أن يَحدُث تغييرٌ ما، ولا سبب يمنع روّاد الأعمال المحليين من المشاركة في هذا التغيير.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة