البيانات الضخمة في قطاع ضخم: النفط والغاز

اقرأ بهذه اللغة

تقنيو شركة "بي پي" في غرفة التحكّم الخاصّة بمنصّة "أتلانتيس". (الصورة من "بي پي")

تبذل الشركات الناشئة المبتكِرة التي تُعنى بالتكنولوجيا أقصى ما عندها لتغري شركات النفط والغاز أينما كانت في العالم، سعياً منها لدخول مضمار هذا المجال الذي كان مغلقاً في الماضي. ولكن في الشرق الأوسط، ما زال يوجد درجةٌ من الحذر تحيط بالبيانات الضخمة وبالآلات المتّصلة بالإنترنت.

تقول هيلين جيلمان، نائبة رئيس "وايبرو تكنولوجيز"Wipro Technologies، إنّه "في مجال النفط والغاز، لا نعلم تحديداً ماذا يعني مصطلح ‘البيانات الضخمة‘."

وفي حديثها مع "ومضة"، تشرح قائلةً: "أعتقد أنّنا سمحنا للتكنولوجيا بأن تغرينا في مجال الطاقة الذكية. فقد تحمّسنا تجاه الأمور التكنولوجية الرائعة، غير أنّنا لم ندرك تحديداً بعد ما هي المشاكل التي قد تحلّها هذه المقاربة."

وهذه المعضلة التي تتمثلّ في عدم معرفة كيفية التعامل مع البيانات التي جُمعت على مدار سنواتٍ من الاستثمار في أجهزة الاستشعار والآلات المتّصلة بالإنترنت، هي مشكلةٌ أساسيةٌ، وفقاً لما قاله مدير حلول الإنتاج في "شلمبرجير" Schlumberger، علي جمعة، في مؤتمر انعقد مؤخّراً في أبوظبي.

وبحسب هذا الأخير، فإنّ "الأمر الذي علينا النظر إليه الآن هو جودة البيانات، فالاستحواذ على التقنية شيءٌ والتأكّد من صحّة البيانات ومعرفة كيفية استخدامها شيءٌ آخر."

هناك الكثير من البيانات التي يمكن الحصول عليها؛ فقد وجدت دراسة حول استراتيجيات الاستفادة القصوى من البيانات الضخمة في مجال النفط والغاز، صدرت عام 2014، أنّ شركة "شيفرون" Chevron أنتجَت 1.5 تيرابايت من البيانات الداخلية في يومٍ واحد.

ويسهل استيعاب ذلك عندما تُدرك أنّ جهاز الحفر الواحد يتضمّن ما بين 40 و80 ألف جهاز استشعار، فوق الأرض وتحتها، علماً أنّ ما يصل إلى 80 بالمئة من هذه البيانات غير منظّمةٍ وبالتالي من الصعب تحليلها باستخدام البرمجيات التقليدية.

في الشرق الأوسط، وخلافاً لما يجري في الولايات المتحدة، لا يوجد الكثير من الشركات التي تستطيع مساعدة منتِجي النفط وموزّعيه والمصافي، في إدارة وفكّ شفرة البيانات القادمة بكمياتٍ هائلة من مواقع العمليات. في المقابل، ثمّة الكثير من "الحلقات الأضعف"، كما سمّاها أحد روّاد الأعمال، التي يمكن للشركة الناشئة المناسبة أن تستغلّها في الوقت المناسب.

مثال عن كيفية جمع البيانات من حقول النفط وإدارتها وتحليلها واستخدامها. (الصورة من "بوز ألان هاملتون" Booz Allen Hamilton)

أين تكمن الحلقات الأضعف

يتضمن إنتاج النفط أو الغاز عدداً من الجهات المعنية المختلفة التي غالباً ما تكون منتشرةً على مساحاتٍ جغرافيةٍ واسعة.

فهذا القطاع الذي بالكاد سجّل درجة 4.68 على 10 من حيث نضجه الرقمي، كما جاء في دراسةٍ عالميةٍ حول الأعمال الرقمية صدرت عن "أم آي تي سلون مانجمنت ريفيو 2015"MIT Sloan Management Review 2015، من المحتمل أن يستفيد أكثر من سائر القطاعات من خلال إمكانية تعامل المحلّلين والمدراء مع الخزّانات النائية.

من جهتها، قالت شركة تحليل البيانات "تيراداتا" Teradata إنّ قطاع النفط والغاز – أو بالأحرى الشركات التي تُنتج النفط والغاز – تخسر 8 مليارات دولار في السنة على الوقت الذي تكون فيه غير منتِجة، وقدّرت أنّ المهندسين يمضون 70 بالمئة تقريباً من الوقت "في البحث عن البيانات ومعالجتها."

كما وأنّ المزيد من خزّانات النفط التي يتمّ اكتشافها في الشرق الأوسط، مثل تلك الموجودة في شرق البحر الأبيض المتوسط وفي الخليج، تتواجد في مياه عميقةٍ جداً تتطلّب معدّاتٍ قادرةً على العمل بضغٍط يساوي 20 ألف رطلٍ للإنش المربّع الواحد وفي درجات حرارة عالية جداً تصل إلى 200 درجة مئوية أو أكثر. 

وقد أشار تقريرٌ صدَرَ حديثاً عن "بوز ألان" إلى أنّ 60 بالمئة من إنتاج النفط العالمي يأتي من حقولٍ ضخمة لا تشكّل سوى 1 بالمئة من إجمالي عدد الحقول في العالم. معظم هذه الحقول الضخمة يقع في الشرق الأوسط، ومعظمها في تراجع.

وتصل نسبة الخبراء في النفط والغاز الذين سيتقاعدون على مر نصف العقد القادم إلى 60 بالمئة، ما يعني أنّ انتقال الشركات إلى إدارة المواقع عن بعد أمر ضروري مع توافر عدد أقل من الأفراد العاملين في المواقع.

يقول سايمن ويبستر، مدير المشاريع في الشركة الموفّرة لخدمات الطاقة، "هاني ويل" Honeywell، إنّه لا يجدر بالشركات الشرق أوسطية أن تخاف من استخدام التقنيات الجديدة لحلّ هذه المشاكل.

ويضيف أنّ "هذا المجال متحفّظٌ إلى حدٍّ كبيرٍ في مقاربته. أعتقد أنّ ثمّة الكثير من التقنيات الممتازة المتوفّرة التي لا نستفيد منها كما يجب، مثل ‘إنترنت الأشياء الصناعية‘ Industrial IOT التي تشهد رواجاً الآن. [والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو] كيف يمكننا استخدام هذه التقنيات الجديدة... بشكلٍ آمنٍ من أجل تحسين أدائنا."

تقوية نقاط الضعف هذه

يَعِد الإنترنت الصناعي بحلّ هذه المشاكل وإضافة قيمةٍ جديدةٍ في الوقت عينه، وفقاً لتقرير نشرته "ديلويت" Deloitte.

ومن الأمثلة على ذلك، ما أدلى به مارك داجلس، نائب رئيس "شلمبرجير الشرق الأوسط"، خلال "مؤتمر ومعرض الشرق الأوسط للنفط الذكي" الذي عُقد من 14 إلى 16 أيلول/سبمتبر في أبوظبي، حول الطريقة التي وفّرت بها أجهزة الاستشعار 80 مليون دولار على شركةٍ في المنطقة.

كانت هذه الشركة المنتِجة للنفط والغاز تعمل في حقلٍ بحريٍّ للنفط، وكانت السوائل تستغرق أربعة أيّامٍ لكي تصل من البئر إلى منشأة التكرير على الشاطئ. لم يكن بمقدور الشركة سوى أن تخمّن متى تنخفض مستويات الهيدروكربون في البئر وتبدأ الأنابيب بامتصاص المياه بدلاً من النفط: فهي في حال لم تنجح في وقف الامتصاص في الوقت المناسب، كانت مستويات إنتاجها ستتأذّى والشركة كانت ستُغرَّم.

ولكن عبر استخدام أجهزة الاستشعار، تمكّنت الشركة من قياس أين تواجدت المياه في خط الأنابيب.

وعلى الصعيد العالمي، تقوم شركة "بي پي" BP باختبار برنامج "بريديكس" Predix الذي طوّرته شركة "جنرال إلكتريك" GE على 650 بئراً من آبارها، بحيث سيتمّ ضمّ هذه الآبار كلّها إلى البرنامج بحلول نهاية العام. وهي تجربة تقع في قلب مؤتمر "مايندز+ماشينز"Minds+Machines  الذي أقامته "جنرال إلكتريك" حول إنترنت الأشياء الصناعية في الثاني من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري.

ولكن، مقابل هذه التغييرات التي تبدو صغيرةً، تبرز تغييراتٌ أخرى كبيرة؛ ومن المفارقات أنّ هذه التغييرات الكبيرة تستحدثها شركات ناشئة.

فقد برزت في الولايات المتحدة خدمات جديدة بالكامل على يد شركات ناشئةٍ تلبّي جميع جوانب احتياجات القطاع، من خدمات تحاليل البرمجيات، إلى مزوّدي تقنيات الاتّصالات بعيدة المدى، وكواشف التسرّب بالتصوير الحراري، وأجهزة استشعار التلوّث في الوقت الحقيقي. 

وفي الشرق الأوسط، نجد شركاتٍ مثل شركة "رباعي أناليتيكس جروب"Rebaie Analytics Group  لصاحبها علي الرباعي التي تقدم المشورة حول إدارة البيانات وتحليلها لقطاع إنتاج الطاقة، كما نجد "أستوريا سولوشنز" Astoria Solutions لصاحبها السنغافوري دومينيك لوك (الصورة أدناه) التي تعمل الآن من الإمارات العربية المتحدة.

في عام 2010، غيّرت شركة لوك محور عملها لتصبح شركةً توفّر الخدمات التكنولوجية، حيث باتت تقدّم أجهزةً قابلةً للارتداء مزوَّدةً برقاقات الراديو اللاسلكية RFID، تمكّن الشركات من مراقبة الموظّفين في الوظائف الخطرة، مثل أحواض بناء السفن، وبالتالي ضمان سلامتهم كما وتتبّع ماذا الذي يفعله كلٌّ منهم وأين.

وبعدما انتقلت الشركة هذا العام إلى الشرق الأوسط، تسعى إلى نقل هذه التقنية إلى قطاع النفط.

وحسبما يقول مؤسّسها لـ"ومضة"، فإنّ الكثير من شركات النفط في المنطقة ما زالت تتّبع عملياتٍ قائمةً على المستندات الورقية، حيث قد يضطرّ الموظّف إلى الحصول على موافقةٍ خطّيةٍ لزيارة موقعٍ ما، أو أن يمرّر بطاقةً ليسجّل ساعات عمله.

ويضيف لوك إنّ إحدى الشركات التي تُكرِّر النفط شهدت على زيادة 8 بالمئة في إنتاجيتها عندما اعتمدت تقنيته وبرنامجه لتتبّع موظّفيها.

فمثل هذه البرمجية لإدارة البيانات، يسمح للشركات بأن تزيل أيّ مهامٍ روتينيةٍ غير ضروريةٍ من عملياتها، مثل الاضطرار إلى إيقاف العمل لإيجاد شخصٍ ما. كما ويوفّر نظاماً للمراقبة التلقائية لمشاكل الصحّة والسلامة أو نظم إنجاز المهام أيضاً.

وفي حين لم يكتسب بعد أيّ عملاء في قطاع الطاقة في الشرق الأوسط، يشير لوك إلى إنّ الدلائل المستقبلية تبشّر بالخير.

كم جهةٍ أخرى، يشكّل أمن المعلومات مصدر قلقٍ بالنسبة لبعض الشركات الشرق أوسطية التي تبتعد عن الإنترنت بالكامل لتحمي أنفسها.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة