الفضاء الخارجي: وجهة رواد الأعمال المقبلة في المنطقة

اقرأ بهذه اللغة

محطة تجريبية في عمّان يمكن أن تصبح عاملةً قريباً. (الصورة لـ صامويل ويندل)

على إيلون ماسك أن يحترس، فها إنّ قوّةً جديدةً تبرز في مجال الفضاء.

في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، أعلنت حاضنة الشركات الناشئة الأردنية "أويسس 500" Oasis 500 عن صندوق استثمار مُخاطِر جديد مصمّم لتشجيع رواد الأعمال والشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على تطوير تكنولوجيات مرتبطة بالفضاء.

وبالاشتراك مع "وكالة الفضاء الأوروبية" European Space Agency و"بنك الاستثمار الأوروبي" European Investment Bank، سوف يتم إطلاق صندوق "مشاريع تكنولوجيا الفضاء" في الأردن Jordan Space Ventures رسمياً بعد جمع استثمارات بقيمة 7.8 مليون يورو (ما يقارب 8.4 مليون دولار أمريكي)، وفقاً لبيانٍ صحفي.

سيكون هذا الصندوق الأوّل من نوعه في العالم العربي، وفقاً لما قاله الرئيس التنفيذي لـ"أويسس 500"، يوسف حميدالدين، في مؤتمرٍ صحفي.

وعبر تعزيز الأعمال المرتبطة بتكنولوجيا الفضاء، سيعكس الصندوق نزعةً أوسع نطاقاً في هذا المجال.

بعدما كان مجال الفضاء في الماضي حكراً على وكالات الفضاء الكبرى وتغذّيه عقودٌ حكومية مربحة، بات يميل الآن باتجاه رواد الأعمال – ومنهم رائد الأعمال والمهندس إيلون ماسك وشركته "سبايس إكس" SpaceX.

لكنّ الأمر لا يتمحور كلّه حول المركبات الفضائية واستعمار النظام الشمسي، إذ يوجد الكثير من الفرص المتوافرة في مجال الفضاء أمام رواد الأعمال – وها هي تصل الآن إلى منطقتنا.

الهدف من "صندوق مشاريع تكنولوجيا الفضاء" في الأردن، وفقاً لموقعه الإلكتروني، يكمن في إنشاء "شركاتٍ ناشئة مستدامة قادرة على توفير حلولٍ جديدة لمشاكل اجتماعية وبيئية راهنة في أبرز القطاعات".

وتشمل هذه القطاعات الأمور اللوجستية، وإدارة المياه، والزراعة، والإغاثة في حالات الطوارئ، والطاقة، والصحة.

وفي حين قد يشكّل هذا الصندوق خطوةً باتّجاه إطلاق المشاريع الفضائية التجارية في المنطقة، لا تزال المنطقة بعيدة جداً عن إطلاق أولى تكنولوجياتها الفضائية. 

وإليكم في ما يلي لمحةً مختصرة عن أنشطة المنطقة المرتبطة بالفضاء:

اهتمام متزايد من القطاع العام

على الرغم من ابتعاد المنطقة عن المبادرات الفضائية الممولة من القطاع العام، إلاّ أنّها شهدت مؤخراً موجةً من الاستثمارات الحكومية، ومعظمها يأتي من دولة الإمارات العربية المتحدة.

في أيار/مايو 2015، كانت "وكالة الإمارات للفضاء" UAE Space Agency قد أعلنت عن إنشاء "مركز الأبحاث الفضائية" Space Research Centre بقيمة 27 مليون دولار، في إمارة العين. ومن المفترض لهذا المركز ان يكون بمثابة حاضنة أعمال لبحوث الفضاء وتطوير الأعمال والابتكارات في هذا المجال.

ليس المركز سوى واحداً من مشاريع الفضاء التي برزت مؤخراً في الإمارات. فبالإضافة إلى وضع عدة أقمار صناعية في المدار على مرّ العقد المنصرم، تنوي الإمارات أن تطلق في عام 2020 مسباراً فضائياً بدون طيار في رحلةٍ إلى المريخ بمسافة 60 مليون كيلومتر سوف تمتد على سبعة أشهر.

وحالما يصبح هذا المسبار في مدار المريخ، سوف يستخدم معدات تصوير ومطاييف بالأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء، لمراقبة وجمع بياناتٍ حول الغلاف الجوّي للكوكب وتَطوّره.

بالإجمال، يُقال إنّ استثمارات الإمارات في تكنولوجيات الفضاء تفوق 20 مليار درهم إماراتي [أي ما يقارب 5.44 مليار دولار].

ولكنّ الإمارات ليست بمفردها من ينشط في هذا المجال، فبلدان كثيرة في المنطقة باتت تملك وكالات فضائية حكومية أو وكالات ذات بحوث وأنشطة مرتبطة بالفضاء تعمل تحت مظلتها. حتى أنّ بعضها مارس الضغوط لإنشاء وكالة فضاء للوطن العربي تتألف من دول أعضاء في الجامعة العربية وتعمل على غرار "وكالة الفضاء الأوروبية" ذات الإدارة المدنية.

"أويسيس500" وشركاؤها يعلنون عن صندوق مشاريع الفضاء في متحف الأردن، في عمّان. (الصورة من "أويسيس500")

التعاون الدولي

لطالما تواجدت برامج تبادل وشراكات بين المنطقة ووكالات فضاء أجنبية، مثل "المركز الوطني للملاحة الجوية وإدارة الفضاء" أي "ناسا" NASA أو "وكالة الفضاء الأوروبية" ESA.

في عام 2015، خضع أربعة طلاب جامعيين أردنيين لتدريب دام شهرين داخل "مركز أبحاث أميس" Ames Research Center التابع لـ "ناسا" في وادي السليكون، في إطار برنامج تبادل. وساهموا هناك في تطوير تكنولوجيا سيتم استخدامها في رحلة مرتقبة إلى أحد أقمار كوكب المشتري الذي يحمل اسم "أوروبا" Europa.

برنامج التبادل هذا الذي من المقرّر أن يستمر على أساسٍ سنوي، ليس سوى أحد الأمثلة عن أنشطة تبادل المعرفة التي تحصل بانتظام بين المنطقة ووكالات الفضاء الأجنبية.

فمن الأمثلة الأخرى على التعاون الدولي، نذكر منصّة نظام معلومات المياه لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابعي لـ "ناسا"، والتي تسعى إلى إبرام شراكاتٍ مع وزارات من لبنان والأردن ومصر والمغرب. هذه المبادرة التي يجري العمل على تطويرها حالياً، سوف تستخدِم تقنيات الاستشعار عن بعد المستندة إلى تكنولوجيا الفضاء لتحسين إدارة موارد المياه والتخطيط الزراعي في منطقتنا التي تُعتبر من أكثر المناطق التي تفتقر إلى المياه في العالم.

على صعيدٍ آخر، تسعى المبادرات الدولية تسعى أيضاً لإنشاء مجموعة من المبتكرين المحليين في بلدان المنطقة.

ومنها مثلاً، ماراتون الأفكار العالمي لتطبيقات الفضاء "سبايس أبس تشاللينج" Space Apps Challenge الذي أطلقته "ناسا" في القاهرة عام 2015. تحدّي ماراتون الأفكار السنوي هذا الذي امتد على يومين، جرى بين فرقٍ من التقنيين والعلماء والمصمّمين والفنانين ورواد الأعمال والمطورين والطلاب، تنافسوا على تصميم حلول مبتكرة ليتمّ استخدامها في خلال رحلات استكشاف الفضاء ولتحسين الحياة على وجه الأرض.

وإذ تضمّن ماراثون الأفكار إطلالةً للدكتورة تهاني عامر والدكتور فاروق الباز، وهما عالمان مصريان يعملان في "ناسا"، فقد ساهم في تسليط الضوء على أحد الانعكاسات غير المرجوّة التي تُحدثها مثل هذه الشراكات في المنطقة: هجرة الأدمغة.

غالباَ ما تسطع أسماء عربية في صفوف موظفي "ناسا" و "وكالة الفضاء الأوروبية"؛ فعلى سبيل المثال، مهندسة البرمجيات الأعلى في برنامج "أوريون" Orion التابع لـ "ناسا"، هي سهى  القيشاوي، فلسطينية من قطاع غزة. وكثيرون أمثال القيشاوي ينتهي بهم الأمر في العمل في الخارج، وذلك ناجمٌ بجزءٍ منه عن انعدام الفرص في مجال الفضاء في المنطقة.

والآن، فيما يتنازل القطاع العام عن مجال الفضاء للقطاع الخاص، تتسنى أمام المنطقة فرصة لتحفيز ذوي المواهب على الابتكار والنجاح هنا في المنطقة بدلاً من السفر إلى الخارج.

الفرص في القطاع الخاص

هذه الصحوة الريادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أدّت إلى فتح الباب أمام تكنولوجيات الفضاء التجارية لتزدهر في المنطقة.

وفي حين تَسلب أبرز شخصيات عالم تكنولوجيا الأضواء بمشاريعها المتطوّرة البراقة، فإنّ الفرص التي تنطوي على تكنولوجيات أكثر عملية تكثر وتنتشر.

وخير مثال على ذلك، نادر صبري من دبي الذي طوّر سجادة صلاة باستخدام تكنولوجيا مرخصة من "ناسا" يمكنها أن تساعد المسلمين على تجنّب إصابات الركبة عند الصلاة.

بدوره، يقدّم إطلاق "صندوق مشاريع تكنولوجيا الفضاء" الأردن لمحةً عن مجموعةٍ واسعةٍ من المجالات التي يمكن لرواد الأعمال أن يبتكروا فيها وأن يجنوا الأرباح منها – وليس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فحسب.

فكونه جهداً تعاونياً، يعرض موقع "مشاريع تكنولوجيا الفضاء" التابع لـ "أويسس" عدداً من مشاريع التكنولوجيا المستندة إلى تكنولوجيا الفضاء التي تعمل في أوروبا، لإلهام رواد الأعمال في المنطقة. تعمل هذه المشاريع على تكنولوجيات مستندة إلى تكنولوجيا الفضاء في مجالات متنوّعة، منها السياحة والتعليم والإعلام والمواصلات والأمن والبيئة وإدارة الموارد والطعام والزراعة والشؤون اللوجستية والبحار والصحة وغيرها.

ومن التكنولوجيات التي باتت جاهزةً للابتكار، نذكر تقنيات التنبؤ بالأحوال الجوية والاستشعار عن بعد ونظم تحديد المواقع العالمية ونظام الملاحة بالأقمار الصناعية المحسّنة والتصوير بالأقمار الصناعية، وغيرها.

في المقابل، من أجل تلقي التمويل من "مشاريع تكنولوجيا الفضاء" من "أويسس"، على الشركات الناشئة تقديم طلب وعرض مشروعها أمام لجنة حكامٍ. وفيما بعد، ستحصل الشركات التي سيتمّ انتقاؤها على استثمار تأسيسي يتراوح بين 50 و250 ألف يورو (أي ما يتراوح بين 54 و272 ألف دولار)، بالإضافة إلى الإرشاد والتدريب طوال فترة تصل إلى ستة أشهر في "أويسس 500".

التطلع إلى المستقبل

في الفيلم الذي لاقى إقبالاً كبيراً في العام 2015 بعنوان "ذي مارشان" The Martian (أي المرّيخي)، أدّى الممثل مات دايمون دور رائد فضاء علق على كوكب المريخ فكافح للبقاء على قيد الحياة بالموارد المحدودة المتوفرة لديه، محاطاً بمشاهد قاسية مليئة بالمنحدرات العالية الحمراء والكثبان الرملية برتقالية اللون.

ومع أنّ دايمون كان النجم الذي استقطب إعجاب المشاهدين، إلاّ أنّ المشاهد الجميلة التي أدّت دورها أيضاً تمّ تصويرها في وادي رم في الأردن.

ولكن، عاجلاً أم آجلاً، عندما يجري الحديث عن الفضاء الخارجي، لن تعود الأردن ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معروفةً للعالم أجمع لمجرّد تصوير مشاهد أفلام الفضاء فحسب. 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة