مطاط الإطارات المعاد تدويرها في مصر سلعةٌ تغذي هذه الشركة الناشئة

اقرأ بهذه اللغة

عندما تقود سيارتك في الطريق الدائرية في القاهرة أو في إحدى ضواحيها الفقيرة، عادةً ما تشمّ رائحة المطّاط المحروق وتشاهد أكوام النفايات تحترق على جوانب الطرقات.

تُنتِج مصر 20 مليون إطارٍ تالفٍ سنوياً بالكاد يُعاد تدوير 10% منها، حسبما يقول الشريك المؤسّس في "ريتايرز" Retyres، محمود محسن، لـ"ومضة".

كمية الإطارات التالفة في مصر ضخمة جداً، ولا يعاد تدوير إلا القليل منها. (الصور من "ريتايرز")

كما أنّه لا يوجد إلا القليل من شركات إعادة التدوير المتطوّرة، مثل الشركة الإيطالية المصرية "إيجيتكو"  Egitco في الإسكندرية، ومصنعٌ "عبدالوهاب لتدوير الإطارات والمطاط"، بالإضافة إلى ورش عمل صغيرة حيث يُعاد تصنيع الإطارات بطريقةٍ يدوية.

وبالتالي هذه هي السوق التي يرى فيها محسن شركاؤه المؤسسون الثلاثة - عبد الله عنان، ومحمود عبد العزيز، ونور الساهر - فرصةٍ لشركتهم الناشئة.

فوفقاً لمحسن، لقد "بحثنا عن شيءٍ مختلفٍ، ليس شائعاً، ايمكن أن يحلّ مشكلةً كما يمكن أن يحقّق الأرباح".

انطلقت الشركة في عام 2014، عندما قام المؤسّسون الذين كانوا طلّاب هندسة بترول في "جامعة قناة السويس" Suez Canal University بإطلاق ورشة عمل صغيرة في المدينة لإعادة تدوير الإطارات، ومن ثمّ شاركوا في مسابقةٍ صغيرةٍ مع فكرتهم هذه.

وبعد الفوز في المسابقة انتقلوا من الأعمال اليدوية إلى الميكانيكية، وبات لديهم أربع آلاتٍ صُنعَت محليّاً.

تعمل "ريتايرز" على تحويل الإطارات إلى مكعّباتٍ من المطاط يمكن بيعها للمصانع التي تحوّلها بدورها إلى مسحوقٍ يُستخدَم في الملاعب أو في منتَجاتٍ مطّاطية جديدة، أو للمصانع التي تَستخدم المطاط كوقودٍ بديل لتوليد الكهرباء.

استمرّت ورشة العمل في السويس من شباط/فبراير إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2015، و"العمل لم يكن جيداً حقا"، حسما يقول محسن، فهُم واجهوا صعوباتٍ مع جهاز استخراج الفولاذ من المطّاط - لأنّ كلّ الآلات صُنعَت محليّاً من مخطّطات تصميم، وهذا يعمل جيداً لمعظم الآلات ولكن ليس لآلات استخراج الفولاذ.

كان استخراج الفولاذ مشكلة في ورشة عمل السويس، ولكنّ هذا سيُوجد حلّ له في ورشة عمل القاهرة عن طريق استيراد آلاتٍ مصمّمةٍ خصّيصاً لهذا الغرض.

الانتقال إلى القاهرة

في خريف 2015، شارك الفريق في مسابقات الشركات الناشئة التي تقيمها "نهضة المحروسة" Nahdet El-Mahrousa و"إنجاز" Injaz، ففازت بالمسابقتَين وحملَت معها 120 ألف جنيهٍ مصريّ (13.500 دولار أميركي) من كلّ مسابقة.

حتى ذلك الحين اعتمدوا سياسة الحدّ من النفقات والاستفادة القصوى من الموارد bootstrapping، فزوّدوا الشركة الناشئة بما يقارب 350 ألف جنيهٍ مصريّ (40 ألف دولار) من الاستثمارات العائلية والمدّخرات الشخصية.

وبالتالي مع الأموال الإضافية، يعملون الآن على نقل أعمالهم إلى القاهرة وشراء آلتَين جديدتين على الأقلّ وتعديل الآلات التي لديهم. كما أنّه في ورشة العمل الجديدة التي ستضمّ آلة استخراج حديدٍ مستوردة، يتوقّعون معالجة 175 طناً من الإطارات المستعملة في الشهر.

وعن سبب الانتقال إلى القاهرة، يقول محسن إنّ فيها مشتري مطّاط مُعالَج وبائعي إطارات مستعمَلة أكثر من السويس، ومزيداً من الدعم لريادة الأعمال، ناهيك عن أنّها أسهل من حيث الأوراق: الحكومة المصرية مركزيةٌ جداً، فجميع الاستفسارات والوثائق يجب أن تمرّ عبر القاهرة. وفي حين تشتهر البيروقراطية بسمعتها السيئة في العاصمة، إلّا أنّ إنجاز الأمور خارجها يكون أصعب ويستغرق وقتاً أطول.

أضِف إلى ذلك أنّ العقلية في السويس مختلفة: "لم يكن الناس يعرفون حقاً ما الذي كنّا نحاول القيام به".

من جهته، يقول أحمد حزيّن من حاضنة الأعمال في مجال الطاقة المتجدّدة، "التقنية النظيفة في العالم العربي" Cleantech Arabia، في حديثٍ مع "ومضة" إنّ "إعادة تدوير الإطارات قطاعٌ مثير؛ ومن الجيد رؤية [’ريتايرز‘] في السوق". كما يضيف أنّه كان يتابع هذه الشركة الناشئة ويهتمّ بمعرفة كيف يمكنها أن تحقّق النتائج مع أعمالها الجديدة في القاهرة.

 يرى الحزيّن أنّ "ريتايرز" هي من الشركات الناشئة "الرائعة"، كما يُدي إعجاله بـ" الخطوات الهامّة التي قامَت بها تباعاً" في إشارةٍ إلى ترقية ورشة العمل والانتقال إلى القاهرة.

أمّا بخصوص التحدّي الرئيسي لهذه الشركة الناشئة، فيعتقد أنّه يكمن في مقاربة إعادة الإطلاق على أنّه عملية إطلاقٍ جديدة، لأنّهم "حقّاً يبدؤون من الصفر".

المؤسسون (من اليسار إلى اليمين) محمود محسن، عبد الله عنان، ومحمود عبد العزيز.

إحراق المطاط

سوق المطاط المعاد تدويره في مصر هي سوقٌ حامية.

في العام الماضي، أصدرَت وزارة البيئة قوانين جديدة بخصوص الوقود البديل للمصانع، وسمحَت بموجب ذلك أن يكون المطاط من بينها، وهذا ما جعل من المطاط المعاد تدويره سلعةً مطلوبة.

حتّى أنّ محسن يخوض الآن آخر مراحل التفاوض مع إحدى الشركات التي رفض الكشف عن اسمها، بحيث تريد التزوّد بما يصل إلى 500 طنٍّ شهرياً - وهو ما لا قدرة لهم على تنفيذه حتّى الآن.

في القاهرة يمكن للشركة الناشئة بيع كتل المطاط من خلال وسيطٍ مقابل 700 جنيهٍ للطن (حوالي 80 دولاراً)، والفولاذ بـ1200 جنيه للطن (135 دولاراً)، مع هامش ربح يصل إلى 396 جنيهاً للطن (45 دولاراً) مقابل 119 جنيه للطن (13 دولاراً) في السويس.

ولكنّ الهدف يكمن في البيع مباشرةً، حيث يمكن لـ"ريتايرز" البيع مقابل أسعارٍ أعلى تصل إلى ألف جنيهٍ لطن المطاط (112 دولاراً) و2400 (270 دولاراً) لطنّ الفولاذ.

يُعتبَر العامل البيئيّ أهمّ ما يحفّز "ريتايرز"، كما أنّ محسن يذكّر باستمرار بالأثر المدمّر لحرق المطاط على البيئة وما يتركه من دخانٍ سام. ولكنّ هذا عملاً في المقام الأوّل، وبالتالي لا يعتبر الشريك المؤسس أنّ استخدام المطاط المعاد تدويره كوقودٍ بديلٍ يناقض الدوافع البيئية للشركة الناشئة.

ويبرّر الأمر بالقول إنّ حرق المطاط في المصانع مختلفٌ عن حرقه في الشارع، كون المصانع تستخدم فلاتر لتنقية الانبعاثات. "أفضل بيع المنتَج للأشخاص الذين يُعالجونه أكثر، ولكن عندما وافقَت وزارة البيئة على [المطاط كوقودٍ بديل]، كيف يمكن لي ألّا أبيعه [لهذه الاستخدامات]؟"

تمت ترقية ورشة العمل الأولى لـ"ريتايرز" في السويس من الأعمال اليدوية إلى الميكانيكية بعد فوزها بأوّل المسابقات التي شاركَت فيها.

العرض هو الأساس

سلسلة التوريد أساسيةٌ لكلّ الأعمال.

أمّا "ريتايرز"، فيقول محسن إنّها تجمع الإطارات من أماكن العمل ومن جامعي القمامة - "قطع صغيرة من هنا وهناك" - وهذا ما كان يستغرق وقتاً طويلاً ولا يمكن الاعتماد عليه، كما كان يؤدي إلى إمداداتٍ غير مستقرّة من الإطارات.

يرى محسن أنّ اتفاقاً مع شاحنةٍ كبيرةٍ أو شركة خدماتٍ لوجستية قد يحلّ المشكلة، ولكن هؤلاء يبيعون جميع حمولة الشاحنة من النفايات دفعةً واحدة. بالإضافة إلى ذلك، تُباع النفايات الموضوعة في الشاحنات خلال مزاداتٍ يمكن فيها للجهات الكبيرة أن تفوز على "ريتايرز" بكلّ سهولة.

في هذا الوقت، كان يجري الشريك المؤسس محادثاتٍ مع "بيبسيكو" Pepsico حول صفقةٍ لتزويد شركته الناشئة مباشرةً بالإطارات المستعملة.

"كلّ ما أريده هو تغيير العقلية... الصفقة مع ’بيبسيكو‘ ستغيّر قواعد اللعبة،" يقولها محسن آملاً بأن تحذو الشركات الأخرى حذو "بيسيكو".

هناك تحدٍّ آخر يتمثّل في انخفاض قيمة الجنيه المصري، وهذا ما دفع "ريتايرز" إلى إعادة النظر في استراتيجيتها بالاستثمار في تصنيع الآلات والمعدّات محليّاً بدلاً من استيرادها من الخارج، من أجل ورشة العمل الجديدة. "خلال أربعة أشهر فقط، الآلة التي كلّفتني 80 ألف جنبيه مصري (09 آلاف دولار أميركي) تكلّفني الآن 1120 ألف جنيه (13,500 دولار)".

بدوره، يوافق حزيّن رأي محسن من حيث أهّمية سلسلة التوريد، لكنّه يشير إلى أنّ الفرص في السوق كانت "كبيرة" ويعتقد أنّ الشركة الناشئة هذه لديها فرصةٌ جيدة للنجاح.

كما يُعرب عن أمله في أن تتمكّن "ريتايرز" في غضون سنوات قليلة ليس فقط من معالجة الإطارات التالفة وتحويلها إلى مكعبات مطاط، بل أيضاً من إنتاج منتَجاتٍ جديدة مصنوعة من المطاط المعاد تدويره.

قبل ذلك، فإنّ تشغيل ورشة العمل الجديدة بما في ذلك آلة استخراج الفولاذ، وإقناع الموّردين بالبيع مباشرة، هي الخطوات الرئيسية التي يجب اتّخاذها. وإذا نجح هذا، قد تتمكّن "ريتايرز" من تغيير واقع إعادة تدوير المطاط في مصر.

 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة