هل تشكّل الإمارات منصّة انطلاق التطبيب عن بعد في المنطقة؟

اقرأ بهذه اللغة

ملاحظة من المحرر: الرعاية الصحية عن بعد telehealth  والتطبيب عن بعد telemedicine مصطلحان يستخدمان للدلالة على فئة معينة من الحلول في قطاع الرعاية الصحيّة ترمز إلى توفير الرعاية الصحية عن بعد. في هذا المقال، سوف نستخدم مصطلح "التطبيب عن بعد" الذي يصف بشكل عام استخدامات التكنولوجيا في الحالات المرضيّة.

اختبر التطبيب عن بعد لسنوات طويلة في الإمارات. ولا يبدو أن شيئاً أشعل شرارة هذا القطاع بعد، إلاّ أنه في الأشهر الثمانية الماضية، أطلقت ثلاث شركات ناشئة جديدة خدمات استشارات من أطباء لمرضى بناء على قناعة بأنّ الإماراتيين مستعدّون لمثل هذه الخدمة.

إحدى الشركات الجديدة "هيلث آت هاند" Health at Hand، تقدم استشارات عبر الفيديو، وتقلّص الوقت الذي يمضيه المريض في زيارة عيادة الطبيب والانتظار هناك وجمع الوصفات الطبية. ورغم صغر هذا القطاع نسبياً، إلاّ أنه شهد إضافات جديدة منها "هي دوك!" Heydoc! و"سمارت صحّة" Smart Seha.

من الواضح أن المستثمرين وفوا بوعودهم لهذا القطاع مع حصول "إي طب" Etobb و"الطبّي" Altibbi و"عالم هيلث" Alemhealth على استثمارات كبيرة في السنوات الماضية، غير أنّ هذه الشركات لم تثبت قدراتها في السوق بعد. ويقول روّاد الأعمال الحاليون إنّ هذه المشكلة تطال هذا المجال على المستوى العالمي أيضاً، لكنّ هذا لا يريح السلطات الصحية والشركات الصحية التي أنفقت الكثير من الأموال على القطاع.

عن بعد؟

إذا بدا أن التطبيب عن بعد لم ينطلق بقوة بعد في المنطقة، فالأمر طبيعي لأنّه لم يطبّق بالكامل في أيّ مكان، بعد.

فالمعوّقات أمام التطبيب عن بعد في البلدان المتقدّمة والنامية هي نفسها من بينها الفكرة الخاطئة السائدة عن تكلفة تطبيق هذه الخدمات. فبحسب "منظّمة الصحة العالمية"، تفتقد البلدان النامية إلى المهارات التقنية في حين تتردد البلدان المتقدّمة بسبب مسائل قانونية مرتبطة بالخصوصية والغياب الواضح للطلب على هذه الخدمات.

يقول براين دي فرانشيسكا، الرئيس التنفيذي لـ"فيرتو ديجيتال ميديسن" Ver2 Digital Medicine إنّ جزءاً من تأخر المنطقة في اعتماد التطبيب عن بعد يعود إلى غياب التنظيمات والسياسات المرتبطة بهذه الخدمة.

في مطلع العام 2016، أطلقت "هيئة الصحة في دبي"  Dubai Health Authority وشركة الاتصالات الإماراتية "دو"  Du خدمة تجريبية من هذا النوع، لكنّها لم تطوّرها أكثر من ذلك. انتقلت "عالم هيلث" إلى سنغافورة ووادي السيليكون، وأعلنت "أوبر" Uber عن شراكة مع "الطبّي" في شباط/فبراير لتأمين خدمات التطبيب عن بعد لحوالي 50 ألفاً من سائقيها في السعودية والأردن ومصر.

يقول الشريك الإداري لـ"الطبّي"، جليل اللبدي، إنّهم حصلوا على 35 ألف مشترك نشط في أقل ّمن عام وإنّ المنصّة تنمو باطراد بنسبة 35% شهرياً.

يشير تقرير "ذا إيكونوميست"، "تمكين التطبيب عن بعد: دروس للخليج"  The Economist،
 Enabling Telehealth: Lessons for the Gulf، إلى أنّه رغم زيادة الإنفاق على خدمات الصحة عبر الإنترنت وعن بعد في المنطقة بقيادة بلدان الخليج، يحتاج هذا المجال إلى تنظيم أكثر وتراخيص فعالة تسمح للمرضى بالحصول على خدمات التطبيب عن بعد.

يقول دي فرانشيسكا إنّه لا يوجد نقص في الأمثلة على قدرة خدمات التطبيب في تقليص كلفة الرعاية الصحية وتحسينها في الإمارات، فـ"نحن نعرف ذلك منذ زمن بعيد". غير أن التحدّي أمام تبنّي التطبيب عن بعد يكمن في الحاجة إلى تضافر جهود العديد من اللاعبين من مقدّمي الرعاية الصحية إلى المرضى إلى الحكومة وصولاً إلى دافعي الضرائب.

طلب متزايد

تتفشّى الأمراض المزمنة في كلّ أنخاء العالم ويثقل ارتفاع كلفة الرعاية الصحية كاهل الحكومات. وأحد مصادر ارتفاع هذه الكلفة، الزيارات غير الضرورية إلى غرف الطوارئ في المستشفيات.

في العام الماضي، كتب ستيفن ماكلارين من شركة التأمين "الفطيم ويليس" Al Futtaim Willis على
"لينكد إن" أنّ الإماراتيين يستعملون الخدمات التي تقدّمها المستشفيات لا سيما الطوارئ، حوالي 12 مرّة في العام، وهي من أعلى النسب في العالم . وأضاف أن الخبراء يعيدون تردد الإماراتيين المتكرر على المستشفيات إلى أسباب مختلفة منها "تجديد الوصفات الطبية، وفحوصات ما قبل الزواج، والثقافة السائدة (طالما أنّ لدينا تأمين صحي)، بأن الأطباء في خدمتنا متى احتجنا إليهم".  

لا يثقل هذا شركات التأمين فحسب في بلد حيث التأمين الصحي إلزامي، بل أيضاً كاهل المستشفيات التي تمضي الوقت على علاج حالات غير طارئة، وكاهل أصحاب العمل الذين يخسرون موظفيهم في زيارات الأطباء وكاهل الناس الذين ينفقون الوقت والمال لزيارة الطبيب. يعتبر ماكلارين أن متوسط تكلفة الزيارات إلى غرف الطوارئ في الإمارات يبلغ 1200 دولار لكل شخص في العام، ويوضح أنّه رغم "تباين تقديرات هذا المبلغ الذي يضيع على الزيارات غير الضرورية، وحتى لو نظرنا إلى التقدير المتحفظ الذي يساوي حوالي 10% من المبلغ. يبقى ذلك إنفاقاً غير ضروري من 120 دولار لكل مقيم في البلاد. وفي بلد يبلغ عدد سكانه 10 ملايين نسمة، يكون هذا الإنفاق غير الضروري هائل".

هكذا ستعمل "هيلث آت هاند". (الصورة من "هيلث آت هاند")

يقول الشريك المؤسس لـ"هاي دوك!"، أحمد الحديق، بدوره إنّ الرغبة في الحصول على خدمات التطبيب عن بعد موجودة بالفعل إذ إنّ المرضى والأطبّاء وجدوا أصلاً قنوات تطبيب عن بعد غير رسميّة. ويشرح أن "غالبية الناس في منطقتنا (على عكس أميركا الشمالية وأوروبا وبريطانيا) لا يعلمون بوجود مفهوم التطبيب عن بعد"، مضيفاً أنّهم "لا يعلمون أيضاً أنّ بوسعهم الحصول على استشارة طبيب عبر تطبيق".

ولكن أثناء عمله في قطاع الرعاية الصحية قبل تأسيس "هاي دوك!"، وجد أنّ الأطباء يتلقون اتصالات ورسائل عبر "واتس آب" من مرضى يرغبون في الحصول على كل شيء من تحديد الموعد الطبي وصولاً إلى الحصول على رأي آخر في حالتهم. من المقرر أن تنطلق هذه الشركة الناشئة رسميّاً في نهاية نيسان/أبريل، وحتّى الآن هناك أكثر من 1500 مستخدم تسجّل منذ انطلاق نسختها التجريبية في أيلول/سبتمبر 2016.

وجدت "هاي دوك!" منذ ذلك الحين أنّ 85% من الاستشارات نجحت في حلّ مشكلة المريض من دون الحاجة إلى زيارة المستشفى. وهي اليوم توفّر خدمة تواصل خطيّة ومشاركة للصور (مثل إرسال صورة طفح جلدي غريب إلى الطبيب) ومن المتوقع أن تضيف خدمة تشارك الفيديو والرسائل الصوتية في المرحلة المقبلة. وتبلغ كلفة الاستشارة عبر هذه المنصّة 40 دولاراً.

تعتبر "هاي دوك!" أنّ نشر الوعي جزء كبير من مهمّتها في السوق، وهي تريد مساعدة الناس على استيعاب مفهوم التطبيب عن بعد وكيفية الاستفادة منه والوقت المناسب لذلك.

حيث ينجح التطبيب عن بعد فعلاً

"مقارنة بالبلدان الأخرى، نحن نتحرّك بسرعة كبيرة في دبي مثلما هو الحال في أي شيء في دبي" حسبما يشرح سمير منكيني، نائب الرئيس ومؤسس "سمارت صحّة"، ليضيف: "من الأفضل ألاّ ننسى أننا بدأنا متأخرين كذلك، وكنّا محظوظين بأن لدينا بنية تحتية أفضل في مجال الاتصالات وتجهيزات متوفرة (مثلا: جميع الناس لديهم هواتف ذكية) وقبول عام للتكنولوجيا".

بالفعل، كان التجاوب إيجابياً مع هذه الخدمة، فمنذ انطلاق الشركة في وقت سابق من هذا العام، نجحت في ضمّ 20 ألف مشترك ملتزم بها.

تمّ اختبار مبادرة "روبودوك" Robodoc من "هيئة الصحة بدبي" في العام 2016 في الإمارات ويشاع أنّها تنتشر في المستشفيات والمراكز الطبية في المدينة. كما ستتوفر للمرضى في المنازل بحيث يمكن للممرضة التي تزورهم الاتصال للحصول على استشارات عن بعد.


أسست السلطات الطبية في دبي وأبو ظبي قواعد إرشادية لتقديم وتلقي الاستشارات والنصائح عن بعد.

يوجد أيضاً، بحسب "خليج تايمز" Khaleej Times، محطّات استشارة في الأماكن العامة حيث يمكن للمرضى إجراء فحوصاتهم الطبية شخصياً إلى حدّ 18 فحصٍ طبيّ منها فحوصات السكري وفحوصات السمع. وبحسب الصحيفة، سيتم في نهاية نيسان/أبريل، إنشاء اثنتين في مقرّ "هيئة الصحة بدبي" و"دبي مول" Dubai mall لاختبارهما. غير أننا لم نجد أيّ دليل على هذه الخطّة غير مقال صحيفة "خليج تايمز".

في العام 2014، أطلق مركز أبو ظبي للتطبيب عن بعد، خدمة مركز اتصالات على مدار الساعة يصل المرضى بممرضات وأطباء من حول المنطقة.

هذا المشروع مشترك ما بين الذراع الاستثمارية لحكومة أبوظبي، "مبادلة" Mudala، والشركة السويسرية للتطبيب عن بعد، "ميدجايت" Medgate .

ويقال إنّ متوسّط العائد على هذا المشروع يساوي 30% وغالبية المرضى هم من أهالي الأطفال الصغار وأكثر فئة مستخدمة لهذا المشروع تتراوح أعمارها ما بين 20 و40 عاماً.

"سوف يراك الطبيب الآن، ولكن لا حاجة لأن تتحرك من مكانك" (الصورة من "هاي دوك!")

ما فاجأ المركز كان تهافت الإماراتيين على الخدمة حيث شكّلوا 80% من المستخدمين، بعد أن توقّعت دراسات السوق الأولية أن يكون أغلب المستخدمين من الأجانب، حسبما تشرح الرئيسة التنفيذية مينا حمودي.

يعمل 25 موظّفاً بدوام كامل في المركز وقد تلقوا تدريباً خاصاً بالتطبيب عن بعد. ولكن العائق الوحيد في هذه الخدمة هو ضرورة أن يكون التأمين من خلال شركة "ضمان" لتأمين التابعة لحكومة أبوظبي.

يعرب رئيس "ستارتب هيلث" Startup Health التي تستثمر في شركات الرعاية الصحية الرقمية من نيويورك، يونيتي ستوكس، عن مفاجأته ببطء تبنّي التطبيب عن بعد، رغم منافعه الكثيرة بدءاً بتوفير الأموال إلى الفعالية والخبرة. ولكننا "شهدنا أيضاً ابتكارات تقنية كثيرة تبدأ ببطء وتحدث تغييراً جذريّاً بعد 10 سنوات. لا نزال في فترة مبكرة ونتوقع تقدّماً كبيراً في السنتين إلى الثلاثة المقبلة على المستوى العالمي".

كانت "ستارتب هيلث" من أوّل المستثمرين في "عالم هيلث".

تأمل الشركات الناشئة مثل "هيلث آت هاند" بأن تصل إلى سوق مستعدّة لها وبيئة ريادية قادرة على دعم القطاع الطبي التجاري الجديد النامي في الإمارات.

يرى تشارلي بارلو من "هيلث آت هاند" أنّ عمل "مسرعات دبي المستقبل" Dubai Future Accelerator و"دبي 100" Dubai 100 هو خطوة على الطريق الصحيح.

ولكن اكتشاف أيّ سوق في المنطقة سيشهد الانطلاقة الفعلية للتطبيب عن بعد يتطلّب وقتاً، وما علينا إلا الانتظار.

الصورة الرئيسية من Publicdomainpictures.net.

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

شارك

مقالات ذات صِلة